بعد أكثر من عامين على بدء الحرب في السودان، وحصار ميليشيا الدعم السريع لمدينة الفاشر كبرى مدن إقليم دارفور، بين حصار مستمر وجوع ودمار، سقطت المدينة تحت سيطرة الدعم السريع في غياب تام لأي رقابة دولية أو إنسانية.
ماذا يعني سقوط الفاشر في أيدي “الدعم السريع”؟
وبعدما كانت الفاشر تمثل مركزًا للتجارة والزراعة والرعي، باتت اليوم مدينة منكوبة أنهكتها الحرب والمجاعة، في مشهد يصفه حقوقيون بأنه “فصل جديد من الإبادة الجماعية في دارفور”.
وارتكبت ميليشيا الدعم السريع وميليشيات أخرى تُعرف باسم “قوات التأسيس” خلال المعارك الأخيرة انتهاكات جسيمة شملت القتل على الهوية، والنزوح القسري، فضلًا عن حالات اغتصاب وانتهاكات مروعة لحقوق الإنسان داخل المدينة وأطرافها، في ظل غياب كامل لأي رقابة من الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية. هكذا يصف المحامي والناشط السوداني حاتم خورشيد المشهد الحالي في مدينة الفاشر بإقليم دارفور في السودان.
وأضاف أن “كل هذه الجرائم تدخل تحت مظلة المحكمة الجنائية الدولية وفق نظام روما الأساسي لعام 2002، وتشمل جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية”، مشددًا على أن القضاء السوداني “غير مؤهل ولا يمتلك الإرادة أو الأدوات” اللازمة لتحقيق العدالة وجلب المتهمين للمحاسبة.
وأكد خورشيد أن الأطراف المتحاربة تتحمل “مسؤولية قانونية مباشرة” عن الانتهاكات التي وقعت في مدينة الفاشر، لا سيما بعد الحصار الطويل الذي تجاوز 500 يوم، مؤكدًا أن تلك الانتهاكات تمثل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
وأوضح أن مجلس الأمن أصدر قرارًا سابقًا يتعلق بحماية المدنيين وإدخال المساعدات إلى الفاشر وفك الحصار عنها، إلا أن “كلا الطرفين لم يلتزما به”، وهو ما فاقم من معاناة السكان الذين وجدوا أنفسهم تحت حصار خانق ونقص حاد في الغذاء والدواء، حتى اضطر بعضهم إلى تناول علف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة.
وطالب خورشيد، المجتمع الدولي بتشكيل لجان تحقيق محايدة لجمع الأدلة ومقابلة الضحايا، وخاصة النساء اللائي تحملن العبء الأكبر من ويلات الحرب، مشددًا على ضرورة إنشاء “محاكم هجين” ذات طابع دولي وإقليمي لضمان محاكمة عادلة ومنصفة.
كما دعا الأمم المتحدة والدول الصديقة إلى التدخل العاجل لإغاثة سكان الفاشر وتوفير الغذاء والدواء والحماية الإنسانية لهم، مؤكدًا أن “العدالة لا يمكن أن تتحقق في ظل هذا الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة السودانية”.
وفي حين يصف خورشيد ما يحدث بأنه “جرائم حرب مكتملة الأركان”، يرى حقوقيون أن ما يجري في الفاشر يعكس غيابًا كاملًا للمساءلة الدولية.
وقال الصادق علي حسن، الحقوقي ورئيس المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات، إن جميع أشكال الجرائم والانتهاكات ضد الإنسانية ارتُكبت مؤخرًا في إقليم دارفور، وعلى وجه الخصوص في مدينة الفاشر التي عانت حصارًا طويلًا قبل أن تستولي عليها قوات الدعم السريع.
وأوضح أن المدينة شهدت جرائم قتل جماعي ونهب وسلب، إلى جانب “انتهاكات مروعة” بحق النساء والفتيات، شملت حالات اغتصاب وإذلال ومعاملة تحط من الكرامة الإنسانية، مؤكدًا أن ما يجري في الفاشر يمثل “انتهاكًا صارخًا لكل المواثيق الدولية التي تكفل حماية المدنيين في أوقات النزاع”.
وأشار الصادق إلى أن استجابة المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية للأزمة ما زالت “محدودة للغاية”، إذ اقتصرت على بيانات الإدانة والشجب، في حين لم تتخذ أي خطوات عملية لوقف الانتهاكات أو حماية المدنيين، مضيفًا أن الأمين العام للأمم المتحدة اكتفى بالتنديد دون تحرك فعلي على الأرض.
وفي المقابل، ثمَّن الحقوقي السوداني “المواقف الإيجابية” التي صدرت عن عدد من الفاعلين المدنيين في مصر، ومنابر الصحافة والإعلام المصري، معتبرًا أن هذه الجهود “تمثل بارقة أمل في تسليط الضوء على المأساة الإنسانية التي يعيشها سكان دارفور والفاشر، خاصة النساء والأطفال والمرضى داخل المستشفيات”.
وأكد أن سكان الإقليم “ينتظرون تحركًا دوليًا جادًا يفرض حماية للمدنيين”، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن “المجتمع الدولي تحكمه المصالح”، وأن الانقسام الداخلي في السودان ودارفور ساهم في “تشويش الصورة أمام الرأي العام العالمي وإخفاء حجم الكارثة التي تُعد من الأسوأ في العالم اليوم”.
وفي ما يتعلق بجهود التوثيق والمساءلة، أوضح رئيس المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات أن منظمته، التي تضم 28 منظمة وشبكة حقوقية من بينها هيئة محامي دارفور، تعمل في مجالات الرصد والتوثيق وسماع إفادات الضحايا وأسر المتأثرين والشهود، بهدف ملاحقة الجناة ومنع إفلاتهم من العقاب.
وأضاف أن المجموعة تنشط كذلك في تعزيز ثقافة الديمقراطية ونبذ العنف وخطاب الكراهية، والدفاع عن الحريات العامة باستخدام الوسائل المدنية السلمية، معتبرًا أن توثيق الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها هو “الخطوة الأولى نحو تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا”.
وفي سياق متصل، قال طاهر المعتصم، وكيل نقابة الصحفيين السودانيين، إن ما تشهده مدينة الفاشر يمثل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والإعلامية في البلاد، مؤكدًا أن المدنيين في المدينة عانوا خلال الحصار الطويل من “تجويع ممنهج وانعدام شبه كامل للدواء والخدمات الأساسية”، فيما تتوارد منذ سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة أنباء عن “انتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين دون رقيب أو مساءلة”.
وأوضح المعتصم، أن الفاشر تمثل منطقة ذات أهمية جيوسياسية كبيرة، إذ تقع على مفترق طرق يربط السودان بدول الجوار مثل ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى، ما يجعل السيطرة عليها “ذات تأثير مباشر على موازين القوى في إقليم دارفور”.
وأضاف أن أوضاع الصحفيين والإعلاميين داخل مناطق الصراع، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، “بالغة الخطورة”، حيث يتعرض المراسلون والمحررون للرقابة والمنع، ولا يمكنهم نشر تقارير مهنية إلا في إطار الرواية التي تفرضها الجهة المسيطرة، وهو ما يتكرر أيضًا في مناطق سيطرة الجيش السوداني، الأمر الذي جعل “الصحافة المستقلة تدفع ثمن الحرب من حريتها وحياتها”.
وأشار وكيل نقابة الصحفيين إلى أن النقابة أحصت مقتل أكثر من 33 صحفيًا منذ اندلاع الحرب، إضافة إلى حالات اعتقال واحتجاز عديدة، كان آخرها اعتقال أحد الصحفيين على يد قوات الدعم السريع، في الوقت الذي تم فيه سحب تراخيص بعض المراسلين بسبب تقارير اعتُبرت مخالفة للخط الرسمي.
وأكد المعتصم، أن نقابة الصحفيين السودانيين تعمل في “ظروف قاسية للغاية” وتواجه ضغوطًا من جميع الأطراف، بينما تحاول حماية أعضائها وتوثيق الانتهاكات بشكل دوري، من خلال تقارير ربع سنوية تصدرها بالتعاون مع منظمات دولية مثل مراسلون بلا حدود ولجنة حماية الصحفيين الأمريكية، وشركاء آخرين من المؤسسات الإعلامية.
واختتم المعتصم تصريحاته بدعوة المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن، واتحاد الصحفيين العرب، إلى التضامن مع الصحفيين السودانيين ودعم حقهم في الحماية والوصول إلى المعلومات، مؤكدًا أن “الصحفيين مدنيون بموجب القانون الدولي، ولا يجوز استهدافهم أو الزج بهم في أتون الصراع”.
وبينما يستمر الصراع في دارفور، تظل الفاشر شاهدة على مأساة إنسانية تتفاقم يومًا بعد آخر، في غياب أي أفق للسلام أو العدالة.