تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يُظهر شابًا يُجبر على ارتداء ملابس نسائية في وضح النهار داخل إحدى قرى محافظة القليوبية، وسط سخرية واعتداء جسدي أمام المارة، بينما وثق المتهمون الواقعة ونشروها.
الواقعة حدثت في قرية ميت عاصم التابعة لمركز بنها، حيث ظهر الشاب — المعروف باسم إسلام وفقًا لما ذكرته مصادر محلية — وهو شاب هادئ لا يحمل أي سوابق جنائية، ليتحول في دقائق إلى ضحية اعتداء جماعي علني.
وبحسب التحريات، فإن الشاب دخل في علاقة عاطفية مع إحدى الفتيات، وهو ما اعتبره المتهمون “إهانة”، ليقرروا معاقبته خارج إطار القانون.
تفاصيل الواقعة
تعود البداية، عندما اقتحم المتهمون منزل الشاب وأخذوه بالقوة، وأجبروه على ارتداء ما يُعرف بـ “بدلة رقص”؛ ثم وضعوه على كرسي في الشارع، وانهالوا عليه بالضرب والسخرية أمام الأهالي، قبل تصوير الواقعة ونشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي.
وعقب انتشار المقطع، تحركت الأجهزة الأمنية سريعًا، وتم تحديد هوية المتورطين وضبط 9 متهمين، بينهم سيدتان، جميعهم من نفس المركز، وجرى تحرير محضر رسمي، وأُخطرت النيابة العامة التي بدأت التحقيقات.
تصاعد وتيرة العنف والتحرش
عنف متصاعد لا يتوقف، حادثة ميت عاصم لا تُعد واقعة منفصلة، بل تأتي ضمن موجة أوسع من الجرائم المرتبطة بالعنف الجماعي والتحرش والاعتداء، خاصة ضد الأطفال والنساء، خلال السنوات الأخيرة في مصر.
تحرش جماعي بأطفال داخل مدرسة دولية بالقاهرة في نوفمبر 2025، إذ استُدرج الأطفال وهددوا بأسلحة بيضاء داخل مؤسسة تعليمية.
مقتل طالب على يد زملائه في كفر الشيخ عام 2021، بعد شجار تحوّل إلى جريمة قتل.
محاولة اختطاف طفل في الهرم في يوليو 2025، وضبط المتهمين خلال التنفيذ.
وفاة الطفلة أيسيل “7 سنوات” في العين السخنة بعد اعتداء جنسي من قِبل قاصر، في قضية هزّت الرأي العام.
ضعف الوعي المجتمعي وغياب الردع
لا يزال بعض الأفراد يبررون العنف بدعوى “الشرف” أو التقاليد، خاصة في حالات العلاقات العاطفية، ما يحوّل الخلافات الشخصية إلى جرائم علنية، ورغم تشديد القوانين، فإن بطء تنفيذ العقوبات أو الشعور بالإفلات من المحاسبة يشجع البعض على ارتكاب الاعتداءات دون خوف.
مراحل خطرة من الازدواجية
يؤكد دكتور جمال فرويز، أن تصاعد العنف والبلطجة في المجتمع لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لانهيار ثقافي وقيمي ممتد، مشيرًا إلى أن المجتمع وصل إلى مرحلة خطيرة من الازدواجية الدينية، حيث يطغى الشكل على الجوهر، ويغيب السلوك الديني الحقيقي رغم تصاعد المظاهر الدينية.
ويوضح فرويز، أن كثيرين باتوا يخلطون بين التدين والمظاهر، كارتداء الرموز الدينية أو رفع المصحف أو الإنجيل، في مقابل غياب الوعي الديني القائم على احترام قيمة الإنسان، والرحمة، والتعامل الأخلاقي مع الآخرين.
ويؤكد أن ما ينهار فعليًا هو منظومة القيم: قيمة الإنسان، وقيمة الروح، وقيمة العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع، ما أدى إلى تراجع الأخلاق والسلوك العامويرى أن أخطر ما يواجه المجتمع اليوم هو غياب الوعي، وعدم قدرة الأفراد—خصوصًا الشباب—على التمييز بين الصالح والطالح، أو بين الخير والشر، في ظل اعتمادهم شبه الكامل على السوشيال ميديا وبعض نماذج الإعلام كمصدر رئيسي للتشكيل المعرفي والسلوكي. ويشرح أن ما يشاهده الفرد، حتى لو بدا مجرد قصة أو مشهد عابر، يُخزن في “الخلفية الذهنية”، ليظهر لاحقًا في صورة سلوك واقعي عند التعرض لموقف مشابه.
تأثير الدراما غير الهادفة
مسلسلات مثل “الأسطورة” لـ محمد رمضان، وغيرها من الدراما غير الهادفة، تروّج لثقافة العنف والبلطجة؛ حيث يشبه مشهد إجبار الشاب على ارتداء ملابس نسائية وسط السخرية والضرب في واقعة ميت عاصم تمامًا مشاهد مشابهة في المسلسل، مما يشجع الشباب على تقليد هذه السلوكيات دون وعي بالعواقب.
ويضرب فرويز مثالًا بأن مشاهد العنف في الدراما لم تكن جديدة تاريخيًا، فقد وُجدت في عصور سابقة، لكن المجتمع آنذاك كان يمتلك وعيًا وثقافة تمنعه من تقليدها. أما اليوم، ومع ضعف المناعة الثقافية، أصبحت هذه المشاهد قابلة للتكرار في الواقع، مؤكدًا أن القوانين النفسية والاجتماعية تشير إلى أن أي سلوك يُعرض ويتكرر ذهنيًا قد يُعاد إنتاجه في المجتمع خلال فترات زمنية قصيرة.
ويشدد فرويز على أن الحل يبدأ بإعادة بناء الثقافة المصرية الأصيلة، معتبرًا أن هذه الثقافة تعرضت لتآكل شديد منذ هزيمة 1967، ثم استعادت جزءًا من قوتها بعد انتصارات السبعينيات، قبل أن تتعرض لاحقًا لغزو ثقافي داخلي مغلف بالدين، لم يُحافظ لا على جوهر الدين ولا على الهوية الثقافية المصرية.
ويختم بالتأكيد على أن المجتمع لم يستطع استيعاب الثقافة الوافدة، وفي الوقت نفسه فقد جزءًا كبيرًا من ثقافته الأصلية، ما قاده إلى حالة الانهيار الثقافي الراهنة، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى مزيد من العنف والتشوه القيمي ما لم يتم التدخل الجاد لإعادة الاعتبار للثقافة، والوعي، والأخلاق.
ضعف القوانين وغياب الردع
كما يرى دكتور سعيد صادق، أن تحميل الدراما مسؤولية انتشار العنف والتحرش في المجتمع ليس سوى “شماعة سهلة” تُعلَّق عليها أزمات أعمق، مؤكدًا أن الخلل الحقيقي يكمن في ضعف القوانين وغياب الردع، وليس في الأعمال الفنية وحدها.
ويشير صادق إلى أن المجتمع يشهد حالة من التوحش نتيجة تراخٍ تشريعي وأمني، موضحًا أن العقوبات الحالية لا تتناسب مع جسامة الجرائم، خاصة جرائم التحرش في وسائل المواصلات العامة.
ويضرب مثالًا بأن أي شخص يثبت تورطه في التحرش داخل حافلة أو وسيلة نقل عامة يجب أن يواجه عقوبة رادعة قد تصل إلى السجن لعدة سنوات، مع إعلان الأحكام بشكل واضح لخلق ردع مجتمعي حقيقي.
ويؤكد أن الحل لا يقتصر على العقاب فقط، بل يتطلب إجراءات وقائية، من بينها تزويد جميع وسائل المواصلات العامة بكاميرات مراقبة، وتفعيل دور شرطة النقل العام، وتدريب أفرادها على التعامل الفوري والحاسم مع أي اعتداء على الركاب، باعتبارهم مسؤولية مباشرة للدولة.
الشارع لم يعد آمنًا
ويحذر صادق من أن الشارع لم يعد آمنًا للمواطنين والمواطنات، بل أصبح في كثير من الأحيان مساحة مفتوحة للمنحرفين والمرضى والمتطرفين، وهو ما يعكس تراجع مفهوم “الأمن الاجتماعي” لصالح التركيز المفرط على “الأمن السياسي”.
ويرى أن هذا الخلل أدى في النهاية إلى إضعاف كلا النوعين من الأمن، بدلًا من تحقيق الاستقرار.
ويختتم صادق بالتأكيد، أن مواجهة هذه الظواهر لا تنفصل عن ضرورة محاربة الفكر الذكوري واحتقار المرأة، مشددًا على أن أي إصلاح حقيقي يبدأ من استعادة هيبة القانون، وتعزيز العدالة، وبناء وعي مجتمعي يحترم الإنسان وحقوقه في المجال العام.