لثلاثة مواسم رمضانية متتالية، غاب اسم محمد رمضان، النجم الأكثر حضورًا وتأثيرًا في دراما العقد الأخير، عن خريطة الدراما المصرية، في غياب لافت يثير أسئلة حول مدى تراجع نجوميته التي بلغت ذروتها بعد مسلسله الأخير “جعفر العمدة”.
احتكر “رمضان” البطولة المطلقة لسنوات، وصاغ معادلة جماهيرية خاصة به، تقوم على البطولة الفردية وصورة النجم الأوحد، لنستقبل العام الثالث، وهو مازال خارج الموسم الأهم في الصناعة.
وفي وقت تشهد فيه الدراما تحولات واضحة في شكل الإنتاج واختيارات الأبطال. بالتوازي مع هذا الغياب، تصعد وجوه جديدة أو كانت تُصنَّف سابقًا في خانة الأدوار الثانوية، مثل عصام عمر، وأحمد مالك، وأحمد غزي، لتتقدم الصفوف وتتسلم أدوار البطولة في أعمال تحظى بانتشار نقدي وجماهيري، وتعكس توجهًا مختلفًا في صناعة الدراما، أقل اعتمادًا على النجم الواحد، وأكثر انفتاحًا على البطولات الجماعية والسرديات المتنوعة.
عملية الاختفاء والصعود تشير لإعادة ترتيب غير معلنة في موازين القوة داخل الدراما المصرية، حيث لم تعد المعادلة القديمة التي تضمن النجاح باسم نجم واحد كافية، ولم يعد الغياب مجرد قرار فردي، بقدر ما أصبح مرآة لتحول أعمق في ذائقة الجمهور، وسياسات الإنتاج، وصورة البطل على الشاشة.
خارطة إنتاج تتحول
مثّل اسم محمد رمضان لسنوات طويلة رهانًا آمنًا لشركات الإنتاج، وارتبط اسمه بميزانيات ضخمة وبطولات مطلقة تفرض إيقاعها على النص والإخراج وحتى التسويق، استمّر هذا منذ نجاح أولى مسلسلاته “ابن حلال” عام 2014، وانتهاءًا بآخرهم “جعفر العمدة” 2023، غير أنّ هذا الواقع اصطدم بسقف جديد للنجومية لم يعد يسمح بتمركز العمل حول نجم واحد مهما بلغت شعبيته.
في المقابل، أعادت شركات الإنتاج الكبرى ترتيب أولوياتها، متجهة نحو نماذج أقل تكلفة وأكثر مرونة، تعتمد على بطولات جماعية أو نجوم أكثر مرونة وجاذبية فنيّة، وأقل أجرًا، مع مساحات أوسع للتجريب وتقديم وجوه جديدة. وفي هذا الفراغ الذي خلّفه غياب رمضان، صعد ممثلون مثل عصام عمر وأحمد مالك وأحمد غزي إلى الواجهة، ليس فقط لأنهم موهوبون، بل لأنهم يناسبون معادلة إنتاجية جديدة ترى في النجم القابل للتشكيل خيارًا أكثر أمانًا من النجم المسيطر.
رمضان عنوان لأزمة الدراما
يرى الناقد السينمائي ورئيس تحرير مجلة الفيلم، حسن شعراوي أنّ محمد رمضان كان انعكاسًا لأزمة كبيرة في الدراما المصرية، إذ يمثل أسوأ ما في تاريخها الحديث، هذا السؤ ناتج عن تراجع دور الدراما، المترتب على أزمة خاصة بالإنتاج والكتابة والمعالجة والجمهور المستهدف.
ويضيف “شعراوي” في حديثه مع القصّة: “انصرف الجمهور أخيرًا عن هذا الممثل الذي قولب نفسه داخل هذا النمط ولم يقدّم جديدًا يمكن أن يضمن له الاستمرارية، وخير مثال على ذلك تفاعل الجمهور مع الأعمال الجديدة، ولنأخذ مسلسل كارثة طبيعية للفنان محمد سلاّم، الذي لاقى نجاحًا كبيرًا، وحصد اعجاب الجمهور، الذين وجدوا أنفسهم فيه، وتلك أهم نقطة في نجاح الدراما، أن يرى المشاهد حياته وواقعه على الشاشة، وإلّا فسينصرف المشاهد بحثًا عن شيء آخر، وهنا يمكن أن نؤكد على أنّ ما كان يقدمه رمضان سابقًا أصبح لا يمس المشاهد المصري، فانصرف عنها بشكل عام، ولم يعد يحتمل ما يقدمه من عنف ظاهري ومبطن”.
حين أدار الجمهور ظهره
يمثل محمد رمضان ذروة نموذج النجومية التقليدية في الدراما خلال العقد الأخير؛ يُبنى العمل على صورته، وتُصاغ الحبكة لتخدم حضوره الطاغي، ويُسوَّق المسلسل بوصفه امتدادًا لشخصيته العامة خارج الشاشة، هذا النموذج، الذي أعاد إنتاج فكرة البطل الشعبي الخارق في سياق معاصر، نجح لسنوات في جذب جمهور واسع، لكنه في الوقت ذاته فرض قيودًا واضحة على الصناعة، إذ ارتبط بميزانيات ضخمة، وأجور مرتفعة، ونصوص أحادية المسار، تقل فيها المساحات الرمادية لصالح بطل يهيمن على السرد ويختزل الصراع.
تحوّلت هذه الصيغة من ضمانة نجاح إلى عبء إنتاجي وفني، خاصة في ظل تغيّر شروط السوق، وتزايد كلفة الإنتاج، ورغبة الشركات في أعمال قابلة للتدوير والتسويق عبر منصات متعددة، لا ترتبط بمزاج نجم واحد أو صورته العامة.
بطولة جماعية وليست فردية
في المقابل، يقدّم الجيل الجديد من الممثلين نموذجًا مغايرًا للبطولة، لا يقوم على فكرة النجم المتفرّد، بل على أداء تراكمي يتشكل عبر أدوار متعددة وشخصيات متناقضة. هؤلاء لا يدخلون العمل بوصفهم مركزه الأوحد، بل كجزء من نسيج درامي أوسع، يسمح بتعدد الأصوات، وتداخل الخطوط السردية، ويمنح النص والمخرج مساحة أكبر للتحكم في الإيقاع والرؤية.
هذا النموذج، وإن بدا أقل بريقًا على مستوى النجومية الفردية، فإنه أكثر توافقًا مع تحولات الذائقة العامة، التي باتت تميل إلى الشخصيات القابلة للتصديق، والأبطال غير الكاملين، والحكايات التي لا تدور كلها حول شخص واحد، التي باتت مسار سخرية من قطاع واسع من الجمهور.
لا يمكن فصل هذا التحول عن سياسات شركات الإنتاج نفسها، التي لم تعد تبحث عن نجم مضمون بقدر ما تبحث عن معادلة توازن بين الكلفة والعائد، وبين الجماهيرية والاستدامة، فالنجم الجديد، الأقل تكلفة والأكثر مرونة، يمنح المنتج قدرة أكبر على المخاطرة الفنية، وتجديد الأشكال، وبناء مشاريع طويلة الأمد، في حين يفرض النجم الكبير شروطه الخاصة التي تحد من هذا الهامش.
ندرة الانتاج أشعلت نار المنافسة
وبحسب “شعراوي” فإنّ خريطة الإنتاج المشترك التي باتت تتشكل في السنوات الأخيرة، جعلت من مكانة الفنانين أمرًا قابلًا للتغيّر وفتحت أبوابًا أشّد للمنافسة، خاصة مع عزوف الكثير من المنتجين في مصر عن المغامرة في أعمال إنتاجية كبرى دون الإستعانة بشريك انتاجي، ومن ينتج حاليًا هي الشركة المتحدة، وهذا غير كافي في بلد كبير مثل مصر.
من ناحيته يعلق الناقد الفني جمال عبد القادر: “محمد رمضان أصبح أكثر تمثيلاً في الغناء من التمثيل، بعد تراجع ملحوظ في تحقيق أفلامه الأخيرة لنجاح كبير، كما حدث مع أفلامه، وأعتقد أن رمضان نجم تليفزيوني أكثر منه سينمائي، خلطة النجاح التليفزيوني نجحت بفضل تعاونه مع محمد سامي، حول قصص الصعود الطبقي لبطل شعبي وموضوعات الميلودراما الفجّة التي لطالما قدماها معًا، ونجحت في جذب الجماهير على مدار عشر سنوات، والدليل على ذلك عندما خرج عن هذه الخلطة في مسلسلات مثل الطريق وموسى، لم يحقق أي نجاح، ولطالما اعتمدت نجوميته على الجدل الذي يثار حوله على مواقع التواصل”.
انفض الجدل فتسارع في السقوط
ويكمل “عبد القادر”: “حين انفضّ هذا الجدل نراه في مرحلة السقوط، والدليل أنّه لم يدخل أي عمل تليفزيوني منذ نجاح جعفر العمدة، وطبيعي أن يستمر هبوطه، وخلال هذا الوقت الذي يخفت فيه نجوميته، يصعد جيل جديد من الممثلين، أقرب إلى الجمهور، يقدمون أعمالأ متنوعة، يلعبون على تيمات مختلفة عن الدراما الشعبية التي صارت متشبعة من رمضان، وبدأ يختطفها منه أحمد العوضي، وهذه طبيعة الجمهور، حين يتشبّع من جيل معين، يبدأ ينجذب لجيل جديد، وهذا ما يحدث حين يتوقف الفنان عن التطور والتجديد، سيأخذ دورة صيرة من النجاح تنتهي، أما من يستطيعون صناعة مسيرة طويلة وممتّدة، مثل نور الشريف وأحمد زكي مثلاً، يتطلب منهم الأمر اجتهادًا وانضباطًا في التطور والتجدد كما ينتظر منهم الجمهور، وهذا ما لم يدركه رمضان”.
هكذا، لا يبدو صعود الجيل الجديد مجرد مسألة موهبة أو توقيت، بل نتيجة مباشرة لإعادة تعريف معنى البطولة والنجومية داخل الدراما المصرية، حيث لم يعد البطل هو من يعلو فوق النص، بل من يتحرك داخله، ويترك أثره عبر الأداء لا عبر السيطرة.