بينما تنشغل غرف العمليات في “بروكسل” و”واشنطن” برسم خرائط الصراع من أوكرانيا إلى مضيق هرمز، ثمة خريطة أخرى تُفاجئ الجميع؛ خريطة الغضب الشعبي الذي يجتاح شوارع العواصم الأوروبية، لم تعد الهتافات ترفع شعارات أيديولوجية فحسب، بل باتت تصرخ بلسان حال المواطن البسيط: “هذه ليست حروبنا.. ولن ندفع الثمن”.
في هذا التقرير، نغوص في عمق الأزمة التي وضعت القارة العجوز بين مطرقة الالتزامات العسكرية لـ “الناتو” وسندان الانهيار المعيشي، مستندين إلى آراء خبراء في الاقتصاد والسياسة الدولية.
صدمة “مزدوجة”.. من القمح إلى الغاز
تؤكد خبيرة الاقتصادية، الدكتورة سمر عادل، أن ما يحدث الآن ليس مجرد احتجاجات عابرة، بل هو نتيجة منطقية لسلسلة من الصدمات التي بدأت في فبراير 2022 مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، تلك الحرب التي أحدثت “هزة عنيفة” في أسعار الطاقة، نظراً لاعتماد أوروبا التاريخي على الغاز الروسي.
وتشير خلال حديثه لـ “القصة” إلى أن القارة التي لم تتعافى بعد من آثار الحرب الأوكرانية، وجدت نفسها أمام صدمة جديدة وأكثر تعقيداً مع اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
وتوضح بالأرقام حجم الكارثة: ارتفاع أسعار الغاز بما يتجاوز الـ 35%.
أزمة أمن غذائي عالمي: حيث يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 30% من تجارة الأسمدة العالمية، ما يعني أن الغذاء في أوروبا لن يصبح باهظ الثمن فحسب، بل قد يصبح “سلعة نادرة” مع تعطل سلاسل الإمداد.
كابوس “الركود التضخمي”: وهو السيناريو الأسوأ الذي تراه سمر عادل يلوح في الأفق، حيث تجتمع معدلات التضخم المرتفعة مع ركود اقتصادي ينهك القوى الشرائية.
عقود من “الأمان” تتبخر في صراعات بعيدة
من جانبه، يرى الدكتور محمد صادق إسماعيل، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن المشهد الحالي يعكس صراعاً بين “النخبة الحاكمة” و”الشارع الشعبي”، ويؤكد لـ “القصة” أن هذا الرفض هو “مسار قديم متجدد”، فالمواطن الأوروبي الذي عاش عقوداً في مأمن من الحروب المباشرة، يجد نفسه اليوم مقحماً في صراعات لا تمس جواره الجغرافي المباشر.
ويوضح الدكتور محمد صادق، أن تراكم الأزمات -منذ جائحة كورونا عام 2020 مروراً بأربع سنوات من استنزاف المليارات في أوكرانيا وصولاً إلى الحرب الإيرانية- جعل الجانبين “الشعبوي والنخبوي المعارض” يتساءلون: لماذا تُنفق أموالنا خارج أسوار أوروبا؟
ويضيف: “لقد كانت أكبر هواجس أوروبا هي الهجرة غير الشرعية أو هجمات داعش، لكن اليوم يتم جر الجيوش النظامية والميزانيات الضخمة إلى حروب بعيدة، وهو ما خلق حالة من التوجس و الخيفة لدى الشارع الذي يرى أن تأثيرات هذه الحروب الاقتصادية تطال الجميع، لكنه لا يريد أن يكون طرفاً مباشراً فيها”.
المواجهة الكبرى: هل يسقط التماسك الغربي؟
تتشابك خيوط التقرير لتكشف عن “السؤال القاتل”: هل تستطيع الحكومات الأوروبية الاستمرار في التصعيد العسكري بينما تشتعل النيران في شوارعها؟
المعطيات تؤكد أن “الرفض” ليس لحرب واحدة، بل هو “فيتو” شعبي ضد سياسة كاملة بدأت تربط بين “فاتورة الكهرباء” و”صفقات السلاح”، ومع تزايد الضغط الشعبي والمطالبات برحيل قادة مثل ماكرون، يبدو أن أوروبا تواجه أصعب اختبار لتماسكها منذ عقود؛ اختبار بين الحفاظ على هيبة “الناتو” أو الحفاظ على “رغيف خبز” مواطنيها.
هل بدأت القارة العجوز فعلياً في فك الارتباط بمخططات واشنطن، أم أن ضجيج الشوارع سيبقى مجرد صدى أمام قرارات السيادة العليا؟