تحقيق: سهاد الخضري
قبل نحو ساعة من موعد تسليم تقريرها، تفتح الصحافية مها حسين* 50 عامًا، والتي تمتلك خبرة تتجاوز 15 عامًا، نافذة Gemini على شاشة حاسوبها. تكتب سؤالًا قصيرًا، فتتلقى خلال ثوانٍ إجابة تبدو متماسكة ومقنعة. وفي غرفة أخبار مزدحمة، يسابق فيها الصحافيون الزمن لتسليم موادهم قبل الثالثة عصرًا، تلتقط مها أنفاسها بصعوبة وسط ضغوط مسؤولي الشيفت المتواصلة لإنجاز موادها وتسليمها في موعدها.
وفي خضم هذا السباق، تبدو أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة لتسريع وتيرة العمل، لكن خلف هذه السرعة تبرز أسئلة أكثر إلحاحًا: هل تلقى الصحافيون والصحافيات تدريبًا كافيًا على استخدام هذه الأدوات؟ وهل تمتلك المؤسسات الصحافية سياسة تحريرية مكتوبة تنظم استخدامها؟ ومن يتحمل مسؤولية الأخطاء المهنية الناتجة عن استخدامه؟
بالأرقام .. غرف الأخبار بلا سياسات واضحة
لا تبدو الأسئلة التي تفرضها غرف الأخبار افتراضية، بل تؤكدها نتائج التحقيق. فقد كشف استبيان أعدته معدة التحقيق، وشارك فيه حتى الآن 44 صحافيا وصحافية، عن تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الصحافية المصرية بنسبة بلغت 86.4%، على الرغم من غياب التدريب المؤسسي والسياسات التحريرية المنظمة لاستخدامها داخل 70.5% من المؤسسات المشاركة. وفي المقابل، أفاد 56.8% من المشاركين بأنهم تلقوا تدريبات على استخدام هذه الأدوات خارج مؤسساتهم، عبر جهات نقابية وأكاديمية ومهنية، من بينها نقابة الصحافيين المصرية، وأريج، وجوجل، ومجتمع التحقق العربي، ومايكروسوفت و CCIJ و المركز الدولي للصحافيين، وجامعة بيرزيت ووان ايفرا .
تصميم هل تمتلك المؤسسات الصحفية سياسات تحريرية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي؟المصدر استبيان أعدته معدة التحقيق، حجم العينة 44.
https://www.datawrapper.de/_/N9GYI/
تصميم غرف الأخبار تحت هيمنة الذكاء الاصطناعي .المصدر استبيان أعدته معدة التحقيق، حجم العينة 44.
https://www.datawrapper.de/_/HU1L7/
تصميم فجوة التدريب على أدوات الذكاء الاصطناعي بين الصحفيين.المصدر استبيان أعدته معدة التحقيق،حجم العينة 44.
https://www.datawrapper.de/_/9JUJV/
هذا وتغيب القواعد المعلنة التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، فلا تُلزم سوى 40.9% من المؤسسات الصحافية المصرية صحافييها بالإفصاح عن استخدامه في المواد المنشورة، مقابل 59.1% لا تفرض أي التزام بالإفصاح. كما أظهرت نتائج استبيان الصحافيين أن 29.5% من المؤسسات لا تُلزم بمراجعة المحتوى المنتج أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي قبل النشر، مقابل 40.9% تُلزم بذلك، فيما أفاد 29.5% بأن المراجعة تُجرى في بعض الأحيان فقط. ما يزيد من احتمالات أخطاء النشر، ويحد من قدرة المؤسسات على مساءلة مستخدمي هذه الأدوات عند وقوعها.
تصميم هل تُلزم المؤسسة بالإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي في المواد المنشورة؟، المصدر : استبيان أعدته معدة التحقيق ، حجم العينة 61.
https://www.datawrapper.de/_/IZIhT/
تكشف هذه الأرقام الاستخدام غير المنضبط للذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، بما يزيد احتمالات الوقوع في الأخطاء المهنية. ووفقًا لدراسة نشرتها Thomson Reuters Foundation عن الصحفيين في الجنوب العالمي والاقتصادات الناشئة كشفت أن 81% من الصحفيين يستخدمون بالفعل الذكاء الاصطناعي في عملهم، و 13% فقط منهم قد وضعوا سياسات خاصة بالذكاء الاصطناعي.
وتتفاقم المخاطر مع ما تعرف بـ«هلوسة»، النماذج اللغوية أي إنتاج معلومات مختلقة أو غير دقيقة، بنسب متفاوتة، وفق لوحة Vectara. فضلًا عن غياب الرقابة البشرية، كما أظهرت واقعة نشر مجلة «سبورتس إلستريتد» عام 2023 مقالات بأسماء كتاب وهميين. ويزداد هذا التحدي في بيئة إعلامية مقيدة، إذ حلت مصر في المرتبة 170 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2024، ما يجعل السياسات التحريرية والتدريب ضرورة لحماية جودة المحتوى وتعزيز ثقة الجمهور.
وتُعد «لوحة Vectara» أداة تقييم طورتها وتديرها شركة Vectara لقياس معدلات الهلوسة في نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، باستخدام نموذج HHEM. أما النطاق الوارد في جدول التحقق، من 1.8% إلى 24.2%، فيشير إلى معدلات الهلوسة المسجلة للنماذج المدرجة في اللوحة ضمن اختبار تلخيص النصوص الذي تجريه Vectara، وليس إلى معدل عام للهلوسة في جميع استخدامات الذكاء الاصطناعي.
لماذا تتكرر أخطاء استخدام الذكاء الاصطناعي؟
توضح نتائج الاستبيان، وفقًا للرئيس التنفيذي لشركة OSH للذكاء الاصطناعي، والصحافي الاستقصائي ومهندس الذكاء الاصطناعي، شحاته السيد،غياب السياسات التحريرية المنظمة لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار. ويؤكد أن أي مؤسسة صحافية مصرية لا تمتلك حتى الآن سياسة مكتوبة تحدد متى وكيف يُستخدم الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن أبرز الأخطاء المهنية تبدأ من غياب الإفصاح عن استخدامه، مرورًا بنشر مخرجاته من دون مراجعة بشرية، وصولًا إلى الاعتماد على نماذج عامة مثل ChatGPT وGemini في إنتاج المحتوى الصحافي من دون ضوابط تحمي البيانات والمصادر الحساسة.
ويضيف أن هذه الممارسات امتدت حتى إلى بيانات صادرة عن جهات حكومية كُتبت باستخدام ChatGPT بما تضمنه من أخطاء معلوماتية وسردية، ما عمق فجوة الثقة بين الجمهور والمؤسسات الإعلامية. كما يحذر من تجاهل الانحياز الخوارزمي في مخرجات الذكاء الاصطناعي، خاصة في القضايا السياسية والاجتماعية والجندرية والقضايا الجنسية، حيث تتجلى هذه الانحيازات بوضوح.
الثقة على المحك
وفقًا لاستبيان أجرته معدة التحقيق بمشاركة 61 مواطنًا و مواطنة، يعتمد 80.3 % على فيسبوك بوصفه المصدر الأول للأخبار، تليه المواقع الإخبارية بنسبة 52.5%، ثم القنوات التلفزيونية 37.7%، فـ إنستغرام 24.6%، بينما تساوت منصتا واتس آب ويوتيوب بنسبة 14.8% لكل منهما،ثم إكس بنسبة 13.1%، في حين لم تتجاوز نسبة الاعتماد على الصحف المطبوعة 11.5%.
(5)تصميم من أين يستقي المصريون أخبارهم؟، المصدر : استبيان أعدته معدة التحقيق، حجم العينة 61.
https://www.datawrapper.de/_/ZmX38/
وأبلغ 26.2% فقط بثقتهم في المحتوى الصحافي ،مقابل 3.3% أعربوا عن ثقة كاملة،مقابل 1.6% أبلغوا عن عدم ثقتهم المطلقة ، فيما أكد 13.1% عدم ثقتهم به، واتخذ 55.7% موقفًا محايدًا. كما أفاد 55.7% بأن ثقتهم في وسائل الإعلام تراجعت خلال السنوات الخمس الماضية، وأرجعوا ذلك بالدرجة الأولى، إلى انتشار الأخبار غير الدقيقة 59.8%، ثم العناوين المضللة والتحيز في التغطية 55.4%، فانتشار المعلومات المضللة 50%، وضعف التحقق من المعلومات 46.4% ، وهذا ما أدى إلى عدم تطابق النسب هنا، رغم أن عدد المشاركين في الاستبيان بلغ 61 مشاركًا، نظرًا إلى أن كل مشارك اختار عدة خيارات، فجاءت النتيجة غير متطابقة.
(6)تصميم لماذا تتراجع ثقة المصريين في وسائل الإعلام؟
المصدر : استبيان أعدته معدة التحقيق، حجم العينة 61.
https://www.datawrapper.de/_/7OLIn/
ويؤكد السيد أن تراجع ثقة الجمهور في الصحافة سبق ظهور الذكاء الاصطناعي، ويرتبط ذلك بأزمات هيكلية، أبرزها انهيار النموذج الاقتصادي للصحافة، وتراجع الاستثمار في الصحافي، وانخفاض عائدات الإعلانات والاشتراكات، في ظل استمرار التحديات المهنية التي يواجهها الصحافي الإلكتروني، واتجاه بعض المؤسسات إلى الاعتماد على صحافي One Man Crew ليؤدي مهام متعددة مقابل أجر محدود ومن دون تدريب كافٍ.
وتتسق هذه الرؤية مع رؤية الدكتورة والأستاذ المساعد بقسم الإذاعة والتلفزيون بكلية الإعلام بجامعة القاهرة منى مجدي عبد المقصود، ، إذ ترى أن تراجع الثقة في الصحافة سبق ظهور الذكاء الاصطناعي، ويرتبط بانتشار المعلومات المضللة وتراجع الثقة في وسائل الإعلام، مع احتمال أن يكون AI قد أضاف متغيرًا جديدًا إلى معادلة الثقة، سلبًا أو إيجابًا، وهو ما يستدعي دراسات معمقة. كما يؤيد الصحافي ومدقق المعلومات والمدرب أحمد جمال، هذا الطرح، داعيًا إلى تبني مفهوم «الاستخدام المسؤول» للذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة لا بديلًا عن الصحافي.
لماذا تتأخر المؤسسات؟
يؤكد جمال أن المؤسسات الصحافية المصرية لا تمتلك سياسات مكتوبة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، لأن كثيرًا منها لا يزال في مرحلة التعرف على الأدوات. ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على غياب السياسات، بل تمتد إلى محدودية استخدام الأدوات المدفوعة الأكثر كفاءة، سواءً بسبب تكلفتها أو لعدم اقتناع بعض الإدارات بقيمتها، في ظل استمرار النظر إلى AI باعتباره وسيلة لاستسهال العمل لا أداة لتحسينه.
ويضرب مثالًا بمؤسسة صحفية نتحفظ على ذكر اسمها،استخدمت الذكاء الاصطناعي لتقليل الاعتماد على الكوادر البشرية بدلًا من تنمية مهارات صحافييها، مشيرًا إلى أن الصحافيين باتوا بين من يطور مهاراته ذاتيًا، ومن يعمل في مؤسسات تستثمر في تطوير كوادرها.
ويكشف أن كثيرًا من المؤسسات التي تواصل معها لتنظيم برامج تدريبية لم تُبدِ اهتمامًا بتأهيل جميع صحافييها على مهارات التحقق، وهندسة الأوامر، وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، واكتفت بإيفاد محرر أو اثنين فقط. ويرى أن هناك محاولات للتطوير، لكنها تظل مرهونة بمدى اقتناع إدارات المؤسسات بأهمية AI والاستثمار في الصحافيين. ويضيف أن الإقبال على التدريب تحسن خلال السنوات الأخيرة بدعم من نقابة الصحافيين، إلا أن المستفيدين غالبًا هم الأكثر حرصًا على تطوير مهاراتهم، فيما لا تزال غالبية المؤسسات لا تستثمر بما يكفي في تدريب صحافييها.
ويرصد أكثر الأخطاء شيوعًا في ضعف التحقق من المعلومات نتيجة عدم إتقان استخدام الأدوات، مؤكدًا أن المؤسسات الصحافية المصرية تفتقر إلى وحدات متخصصة للتحقق من الأخبار والصور والفيديوهات قبل النشر، باستثناء تجربة محدودة في «المصري اليوم». لذلك، غالبًا ما يجري التحقق بعد النشر عبر منصات التحقق، بينما تبدأ المشكلة عندما تتحول الادعاءات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أخبار من دون تحقق كافٍ. ويشير إلى تكرار اجتزاء التصريحات أو نقلها بصورة غير دقيقة، خاصة في برامج «التوك شو»، إلى جانب صياغة عناوين مضللة سعيًا وراء «التريند» على حساب الدقة.
ويشدد على توجيه ميزانيات المؤسسات إلى تدريب الصحافيين، والتعاقد على أدوات احترافية أو تحسين رواتبهم بما يساعدهم على تطوير مهاراتهم، بدلًا من الاعتماد على أدوات مجانية غير مناسبة للعمل الصحافي. ويشير إلى منع بعض المؤسسات صحافييها من استخدامه بسبب الاستسهال في توظيفه لتحقيق «التارجت»، ما ترتب على ذلك من أخطاء في الدقة و«الهلوسة» والتضليل، مشددًا على أن المشكلة ليست في الأداة، بل في غياب الإشراف البشري. وينتقد استخدامه في كتابة الأخبار بدلًا من توظيفه في البحث والتحرير، لما يسببه من تراجع جودة النص، أو التلاعب بالصور والفيديو، أو نشر محتوى مولد من دون الإفصاح عنه، مستشهدًا بانتشار إعلانات حاكت الحوادث باستخدام AI وتحولت إلى «تريند» على الرغم من مخالفتها للمعايير الأخلاقية. ويلفت إلى أن ضعف التدريب يمثل تحديًا، إذ يقدم بعض غير المتخصصين دورات تعتمد على أدوات أولية، بينما تمنع أخرى صحافييها من استخدام الأدوات في إنتاج المحتوى.
شهادات من داخل غرف الأخبار
تحول استخدام الذكاء الاصطناعي داخل بعض المؤسسات الصحافية العربية إلى تهمة جاهزة قد تطيح بجهد الصحافيين، في ظل غياب سياسات تحريرية معلنة تنظم استخدام هذه الأدوات. فبدلًا من الإفصاح عن معايير التقييم وحدود الاستخدام، ترفض بعض المؤسسات مواد صحافية بدعوى استخدام AI، من دون تقديم أدلة أو آليات تحقق شفافة، ما يفتح الباب أمام قرارات تعسفية تمس الحقوق المهنية والمادية للصحافيين.
وتكشف تجربة المحررة والصحافية المصرية الشيماء فاروق 30 عامًا، جانبًا من هذه الأزمة التي امتدت إلى صحافيين آخرين وجدوا أنفسهم متهمين باستخدام الذكاء الاصطناعي من دون إبلاغهم بسياسات المؤسسة أو منحهم فرصة للدفاع عن أعمالهم، ما دفع بعضهم إلى إنهاء التعاون معها.
تعمل فاروق منذ سبع سنوات في مؤسسة صحافية كبرى “الشروق” إلى جانب عملها سابقًا كصحافية فريلانس لصالح «منصة عربية تعمل بنظام التعاون الحر»، تستخدم أدوات مثل ChatGPT وGemini وGoogle AI Studio من دون تلقي أي تدريب، سواءً من مؤسستها أو على نفقتها، معتمدةً على التعلم الذاتي. وتؤكد أن مؤسستها لا تمتلك سياسة تحريرية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي، ولا تلزم الصحافيين بمراجعة المحتوى المنتج أو المعدل باستخدامه قبل النشر، كما لا تشترط الإفصاح عن استخدامه.
وترى أن الذكاء الاصطناعي سرع وتيرة عملها، ولم ترصد أخطاء مهنية نتجت عن استخدامه، لكنها تعزو زيادة الأخطاء داخل غرف الأخبار إلى غياب السياسات التحريرية ، مؤكدة أن المشكلة ليست في استخدامه ، بل في كيفية استخدامه، مع ضرورة وضع ضوابط معلنة وآليات للإفصاح عنه.
وتروي تجربة وصفتها بـ«المؤلمة» خلال تعاونها مع إحدى المنصات الصحافية العربية، إذ فوجئت برفض نشر تقرير أعدته بدعوى استخدام AI، على الرغم من تأكيدها عدم استخدام أيًا من أدواته. وعلى الرغم من مناقشتها إدارة المنصة وتأكيدها عدم صحة الاتهام، تمسكت بقرارها، ورفضت نشر التقرير وصرف مستحقاتها المالية، في وقتٍ كانت قد حصلت فاروق على موافقتها المسبقة عليه.
وتضيف: «قالت لي المحررة الرئيسية: “إحنا مش بنتهمك باستخدامه في كتابة التقرير، لكن استخدامه عندنا مرفوض، حتى لو كان في التدقيق اللغوي أو التفريغ الصوتي”. فأوضحت لها أن استخدام هذه الأدوات في المهام المساندة لا ينتقص من مهنية الصحافي، وأنني لم أستخدمها أصلًا في التقرير محل الخلاف».
وتؤكد فاروق أن المحررة بررت ذلك بأنها سياسة المنصة، على الرغم من عدم إعلانها للصحافيين. والأكثر إثارة للدهشة، أنها أخبرتها خلال حديث ودي بأن المنصة تتعمد عدم الإفصاح عن أسباب رفض المواد أو عن سياستها الخاصة بالذكاء الاصطناعي «حتى لا يغشنا الصحافيون ويأخذوا حذرهم»، وأنها تعتمد على أدوات خاصة لكشف الاستخدام، ما دفعها إلى إنهاء تعاونها مع المنصة.
ولم تكن فاروق الحالة الوحيدة؛ فقد تعرضت إحدى زميلاتها للموقف نفسه مع المنصة ذاتها، بعدما أعادت في أواخر عام 2025 إرسال تقرير صحافي كانت قد أعدته عام 2021 من دون تغيير حرف واحد، لتفاجأ برفض نشره بدعوى أنه مُولد باستخدام AI. وتثير الواقعة، وفق فاروق، تساؤلات حول موثوقية أدوات الكشف، إذ كُتب التقرير قبل انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بين الصحافيين، ومع ذلك أصرت المنصة على موقفها، مدعية امتلاكها أدوات تكشف ذلك، من دون تقديم دليل أو توضيح آلية التحقق. وتشير إلى أن هذا النهج طال عددًا من الصحافيين المتعاونين معها، في ظل غياب سياسة معلنة تحدد معايير الاستخدام وآليات التقييم .
لماذا لا يمكن الوثوق بكواشف النصوص؟
ويؤكد السيد أن كواشف النصوص لا تستطيع الجزم بأن النص مولد بالذكاء الاصطناعي، لاعتمادها على مؤشرات إحصائية وأنماط لغوية، مثل طول الجمل، وتكرار الكلمات، والتراكيب اللغوية، ومدى قابلية النص للتنبؤ، وقد تُصنف نصًا بشريًا على أنه مولد، لعدم وجود بصمة رقمية للنصوص، على عكس الصور.تتفق هذه الشهادة مع نتائج دراسة منشورة في International Journal for Educational Integrity عام 2023، بعد اختبار 14 أداة لكشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، إلى أن هذه الأدوات «ليست دقيقة ولا موثوقة»، إذ سجلت جميعها دقة أقل من 80%، ولم تتجاوز خمس أدوات منها 70%. ووجد الباحثون أن الأدوات قد تصنف نصوصًا بشرية على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي، كما قد تصنف نصوصًا مولدة بالذكاء الاصطناعي على أنها بشرية. وأظهرت الدراسة أن ستة من أصل 14 أداة أنتجت نتائج إيجابية كاذبة، وأن احتمال هذه النتائج تراوح بين 0% لدى Turnitin و50% لدى GPTZero، بينما تراوح احتمال النتائج السلبية الكاذبة بين 8% لدى GPTZero و100% لدى Content at Scale.
ويضيف أن تطور النماذج اللغوية واقترابها من الأسلوب البشري نتيجة عمق تدريبها وكثرة استخدامها جعل النصوص المحكمة تبدو مشابهة لمخرجاتها، ما قد يحول الصحافي أو الكاتب إلى ضحية لاتهامات خاطئة باستخدام الذكاء الاصطناعي أو الانتقاص من حقوقه.
وإذا كانت تجربة فاروق تكشف كيف يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى تهمة في غياب السياسات التحريرية، فإن تجربة مريم محمد*29 عامًا تكشف الوجه الآخر للأزمة، حيث يؤدي استخدام هذه الأدوات في بيئة تفتقر إلى التدريب والضوابط المؤسسية إلى أخطاء مهنية تمس دقة المحتوى الصحافي .
وتقول: «رصدت نحو عشر حالات قدم فيها الذكاء الاصطناعي معلومات غير دقيقة أو مختلقة خلال عام واحد، لذلك لا أثق في أي معلومة يقدمها قبل التحقق منها». وتوصلت إلى ذلك بعد عام من استخدام أدواته في عملها، إثر اكتشافها أنها قد تنتج معلومات خاطئة، أو تختلق مصادر، أو تستخدم بيانات قديمة، فضلًا عن ارتكاب أخطاء لغوية واحتمالات انتهاك الخصوصية والاحتفاظ ببيانات المستخدمين، ما يدفعها إلى التحقق من كل معلومة قبل توظيفها في عملها.
بدأت مريم محمد مسيرتها الصحافية قبل خمس سنوات، لكنها انقطعت عن العمل عدة مرات لعدم تعيينها في مؤسسة صحافية، قبل أن تعمل، منذ عامين، صحافية مستقلة مع عدد من المواقع العربية. ومنذ نحو عام، بدأت استخدام أدوات، مثل ChatGPT وClaude AI وPerplexity AI وGoogle Pinpoint وElicit.
وتكشف أن المؤسسات التي تتعاون معها لا تمتلك سياسات تنظم الاستخدام، على الرغم من سماحها باستخدامه، إذ تقتصر المراجعة على المحرر المسؤول. كما لم تتلق أي تدريب منها، وإنما حصلت، على نفقتها الخاصة، على تدريب عبر برامج متخصصة نظمتها نقابة الصحافيين بالتعاون مع مجتمع التحقق العربي.
وتؤكد استخدامه في البحث، وتطوير الأفكار، والترجمة، إلا أنها ترى إسهام أدواته في تسريع وتيرة عملها وتحسين جودته، لكنها تؤكد أن غياب السياسات التحريرية يزيد من احتمالات الأخطاء ويضع الصحافيين في مواقف مهنية معقدة، مشددة على ضرورة تدريب الصحافيين على حدوده ومخاطره.
الأمر ذاته تكرر في تجربة نيرمين محمد*، 34 عامًا، التي بدأت مسيرتها الصحافية عام 2014، قبل أن تنقطع عدة سنوات، ثم تعود إلى المهنة عام 2022، لتبلغ خبرتها الفعلية خمس سنوات. تنقلت خلالها بين الصحافة الورقية والإلكترونية والإذاعة، وتعمل حاليًا صحافية مستقلة ومدققة معلومات.
ومنذ عام 2023، تستخدم أدوات Gemini وChatGPT وDeepL وClaude AI وPerplexity AI وNotebookLM، في البحث والترجمة، وتطوير الأفكار.
وخلال استخدامها هذه الأدوات، رصدت معلومات غير دقيقة، وأخطاء في ترجمة المصطلحات المتخصصة، وانحيازًا في عرض المعلومات، وحالات «هلوسة»، وضعفًا في التحقق من المصادر، ومخاطر انتهاك حقوق الملكية الفكرية، وتسريب البيانات، وبعض الأخطاء اللغوية. وتؤكد مواجهتها هذه الأخطاء أكثر من عشر مرات خلال الأشهر الاثني عشر الماضية، ما يجعل التحقق من المخرجات ضرورة.
وتشير إلى تلقيها تدريبات على الاستخدام من مؤسسات مصرية ودولية تعاونت معها، منها موقع «المنصة» في مصر وشبكة «مواطن» في لندن، بالشراكة مع «أريج»، وترى اهتمامًا محدودًا من معظم المؤسسات العربية على تدريب الصحافيين على الذكاء الاصطناعي مقارنة بالمؤسسات الدولية.
لماذا تفشل غرف الأخبار؟
تتفق شهادة الصحافيين مع رصد السيد حول أن الأزمة تكمن في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار. فالنماذج المتاحة حاليًا عامة غير مخصصة للعمل الصحافي، حيث يتطلب تطويرها تدريبها على مهام محددة، مع ضمان حماية البيانات وخصوصية المصادر وسلامة الصحافي، والحد من الانحياز الخوارزمي.
أمثلة حية على الأخطاء
ويشير شحاته إلى أن الدراسات الخاصة بغرف الأخبار كشفت عدم توفر سياسات تحريرية مكتوبة، مع الاكتفاء بالتعلم الذاتي للصحافيين، ما أسهم في انتشار أخطاء مهنية ومعلوماتية. ويستشهد بتغطية نتائج الثانوية العامة، إذ نشرت مؤسسات إعلامية أخبارًا مولدة بالذكاء الاصطناعي تضمنت روابط من نوع «شاهد ملف نتيجة الثانوية العامة PDF»، صيغت بأسلوب يشبه ChatGPT لكنها احتوت على معلومات مضللة. كما تداولت وسائل إعلام مصرية وعربية مقطع فيديو زُعم توثيقه إنقاذ شاحنة بعد انفجار أحد إطاراتها، قبل أن يتبين أن معظمه مولد بالذكاء الاصطناعي، وعلى الرغم من ذلك نُشر باعتباره حقيقيًا، ما يعكس تغليب بعض المؤسسات الانتشار والتشويق على حساب الدقة والموضوعية.
كيف تستغل المؤسسات الذكاء الاصطناعي؟
لا تقتصر الأزمة على أخطاء الاستخدام داخل غرف الأخبار، بل تمتد بحسب السيد، إلى توظيف بعض المؤسسات AI في تحقيق أهداف إدارية أو اقتصادية أو حتى سياسية. كاشفًا عن إعلان بعض المؤسسات منذ عام 2018 تبنيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، لكن مراجعة تجاربها أظهرت اعتمادها على نماذج عامة، بما يهدد خصوصية الصحافيين والمستخدمين ويعكس عدم فهمها للتقنية.
ويكشف شحاتة عن استخدام البعض للذكاء الاصطناعي بصورة غير منضبطة، حيث وظفوه في تزييف الأصوات والفيديوهات، وتبرير الفصل التعسفي للصحفيين، والتنصل من المسؤولية بإلقاء اللوم على التقنية.
الحلقة الأضعف
يرى السيد أن الصحافيين يظلون الحلقة الأضعف في هذه المنظومة، حيث تعود أخطاؤهم إلى نقص التدريب والخبرة. ومن أبرزها الاعتماد عليه في ترجمة الأخبار، أو إدخال بيانات ومعلومات حساسة عن الموضوعات والمصادر، بما يهدد أمن الصحافي وسلامة مصادره. مؤكدًا أن مستقبل المهنة سيكون للصحافي القادر على تطوير مهاراته والتحول إلى «صانع معرفة»، رافضًا تبرير ضعف التدريب بقلة الميزانيات، واصفًا ذلك بأنه «عذر أقبح من ذنب»، مشيرًا إلى استعداد كثير من الخبراء لتقديم التدريب مجانًا متى وفرت المؤسسات البيئة المناسبة.
ويؤكد السيد أن المواجهة تبدأ بوضع سياسة تحريرية مكتوبة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي داخل غرف الأخبار، مدعومة بأطر حوكمة تحدد المسؤوليات وآليات المساءلة، وبرامج تدريب إلزامية للصحافيين والمحررين. ودعا إلى إنشاء وحدات للتحقق الرقمي، مع توفير أدوات آمنة لحماية البيانات وتحديث مواثيق الشرف الصحافي.
سياسات غائبة
وتدعم هذا الطرح عبد المقصود، مؤكدة أن المؤسسات الصحافية المصرية لم تصل بعد إلى مرحلة امتلاك سياسات مؤسسية مكتوبة ومتكاملة تنظم استخدام الأدوات داخل غرف الأخبار، وأن ما هو قائم لا يتجاوز محاولات إرشادية محدودة. وتشدد على أن أي سياسة غير مكتوبة تُعد، من وجهة نظرها، غير موجودة.
وترى أن السياسة المؤسسية يجب أن تحدد أولويات استخدام الذكاء الاصطناعي، ومحاذيره، وأبعاده الأخلاقية، وآليات توظيفه بما يتسق مع استراتيجية المؤسسة. وتشير إلى أن اعتماد بعض الصحافيين على مخرجاته من دون التحقق منه أو الرجوع إلى مصادره الأصلية يوقعهم في فخ «الهلوسة»، فيما يؤدي الإفراط في استخدامه بديلاً عن التحليل والتفسير الصحافي وصولًا لنشر محتوى مولد بالكامل من دون مراجعة بشرية، أحد أخطر الأخطاء المهنية.
وتكشف عبد المقصود عن رصد حالات اعتمدت فيها منصات على معلومات غير دقيقة ومصادر ثانوية، إذ تنسخ بعض المؤسسات أخبارًا مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مضللة من منصات أخرى من دون تحقق أو إشارة إلى المصدر، ما يوسع انتشار المعلومات المضللة ويطمس مصدرها الأصلي، حتى تتدخل منصات التحقق أو المختصون لتفنيدها، مؤكدة رصد هذه الممارسات في أكثر من منصة صحافية مصرية.
وتستشهد بواقعة نشر أحد المواقع خبرًا انتهى بعبارة: «إذا كنت تريد أن نقدم لك صيغة مختلفة في شكل بيان صحافي…»، وهي من العبارات التي تقترحها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، معتبرة بقاءها في النص المنشور يكشف غياب المراجعة البشرية قبل النشر.
كما وترفض اعتبار ضعف الميزانيات العائق الرئيسي أمام تدريب الصحافيين، مؤكدة أن المشكلة تكمن في غياب استراتيجية تدريبية تنطلق من احتياجات غرف الأخبار، لا من الاتجاهات العالمية.
وترى أن فرص التدريب على AI أصبحت متاحة عبر المؤسسات الصحافية والجهات التدريبية والمنظمات الدولية،أو التعلم الذاتي، لذلك لا تعتقد أن نقص التدريب يمثل المشكلة الأساسية، وإن كانت بعض التدريبات لا تراعي اختلاف مستويات المتدربين، ورغم تزايد التدريبات باللغة العربية،لا يزال الصحافيون لا يتقنون كافة الأدوات.مؤكدةً على أن السياسة المكتوبة ليست سوى البداية، إذ يجب أن تُترجم إلى أدلة إرشادية، وتطبيقات عملية، وبرامج تدريبية، حتى تصبح ممارسة وثقافة مؤسسية.
لم تخسر فاروق تقريرًا فقط، بل خسرت حقها في أن تُحاسب وفق قواعد معلنة. فبين صحافيين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بلا سياسات، ومؤسسات توظفه أو تحظره بلا معايير، وجمهور تتراجع ثقته في المحتوى، يكشف التحقيق أن الأزمة ليست في الاستخدام ، بل في غياب الحوكمة التي تنظم استخدامه وتحاسب على أخطائه.
“تم إنتاج هذا التحقيق بدعم من الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية ضمن زمالة الذكاء الاصطناعي في الإعلام لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وهذا المحتوى لا يعكس بالضرورة وجهة نظر الاتحاد الأوروبي والحكومة الهولندية”.
“استُعين بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إعداد هذا العمل. وقد رُوجع المحتوى بالكامل وجرى التحقق من دقّة كل معلومة ومصدر ورد فيه قبل النشر، كما بُذل الجهد قدر الإمكان لتنقية المخرجات من أي تحيّز، سواء في اللغة أو في تأطير الأحداث أو في اختيار المصادر. وتقع المسؤولية التحريرية الكاملة عن هذا العمل على عاتق معدّه”.