شهدت الأيام الماضية حالة من الارتباك والتضارب في القرارات المتعلقة بتعطيل الدراسة، ما تسبب في حالة من الغضب بين أولياء الأمور والطلاب، وطرح تساؤلات جدية حول آليات اتخاذ القرار داخل المنظومة التعليمية، خاصة في ظل التقلبات الجوية.
هل يكشف تعطيل الدراسة خللًا في التنسيق وآليات المحاسبة؟
ففي واقعة أثارت انتقادات واسعة، أعلنت الجهات المختصة يوم السبت قبل الماضي أن يوم الأحد سيكون يومًا دراسيًا عاديًا، قبل أن يتم التراجع عن القرار صباح اليوم التالي، وإقرار تعطيل الدراسة بعد وصول الطلاب بالفعل إلى المدارس، وهو ما وضع الأسر في مواقف صعبة، خاصة مع ارتباط أولياء الأمور بأعمالهم وعدم قدرتهم على العودة سريعًا لاستلام أبنائهم.
كما تكررت حالة التضارب في قرارات أخرى، من بينها إعلان محافظ القليوبية تعطيل الدراسة للطلاب والمعلمين بسبب سوء الأحوال الجوية، قبل أن يتم تعديل القرار بعد نحو نصف ساعة ليشمل الطلاب فقط دون المعلمين، ما أثار تساؤلات حول جدوى حضور المعلمين في ظل غياب الطلاب، وحالة التخبط التي صاحبت القرار.
وفي تطور لاحق، أعلنت الحكومة ترك قرار تعطيل الدراسة لكل محافظ وفقًا لتقديره للظروف داخل محافظته، وهو ما اعتبره البعض محاولة لتخفيف العبء عن القرار المركزي، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب لاختلاف السياسات من محافظة لأخرى.
في هذا السياق، قدمت الدكتورة كريمة الحفناوي قراءة نقدية لأسباب هذا الارتباك، معتبرة أنه يعكس خللًا أعمق في بنية الإدارة وطريقة اتخاذ القرار.
وأوضحت “الحفناوي”أن السبب الأول يتمثل في غياب الاعتماد على الكفاءات والخبرات عند تعيين المسؤولين، إلى جانب عدم تمتعهم بالحرية الكافية لاتخاذ قرارات حاسمة، ما يدفعهم إلى التردد والتراجع، ويؤدي إلى صدور قرارات غير مستقرة.
وأضافت أن من أبرز أوجه الخلل أيضًا غياب التنسيق بين الوزارات، حيث تعمل كل جهة بشكل منفصل، رغم الترابط الوثيق بين الملفات المختلفة، وأشارت إلى أن التعامل مع الأزمات، مثل سوء الأحوال الجوية، يتطلب تواصلًا دائمًا بين جهات متعددة، مثل التعليم والنقل والأرصاد، لضمان اتخاذ قرار مدروس قبل حدوث الأزمة وليس بعدها.
وأكدت “الحفناوي”أن ما حدث يعكس غياب التخطيط المسبق، مشددة على أن العملية التعليمية يجب أن تقوم على نظام واضح ومستقر، يحدد مواعيد الدراسة والمناهج والامتحانات بشكل منظم، بدلًا من الاعتماد على قرارات متغيرة يومًا بيوم، وهو ما يربك الطلاب وأولياء الأمور على حد سواء.
كما لفتت إلى أن اتخاذ قرار تعطيل الدراسة بعد وصول الطلاب إلى المدارس يمثل خللًا إداريًا واضحًا، خاصة مع صعوبة التعامل مع الأطفال الصغار، وضرورة وجود إجراءات آمنة لتسليمهم لأولياء أمورهم، بدلًا من تركهم في محيط المدارس دون تنظيم.
وأشارت “الحفناوي”إلى أهمية الاستعداد المسبق للتقلبات الجوية، موضحة أن العالم بات يعتمد على توقعات دقيقة يمكن من خلالها اتخاذ قرارات استباقية، مثل تعطيل الدراسة أو تنظيم حركة النقل، بما يضمن سلامة المواطنين.
وفي سياق متصل، انتقدت غياب آليات المحاسبة، مؤكدة أن عدم مساءلة المسؤولين عن القرارات الخاطئة يؤدي إلى تكرارها، ويخلق حالة من غياب الانضباط داخل المؤسسات، حيث يتصرف كل مسؤول بشكل منفرد دون الالتزام بإطار عام يحكم الأداء.
كما أوضحت أن غياب المحاسبة يمتد أثره إلى المجتمع ككل، إذ يؤدي إلى تراجع الالتزام بالقوانين، في ظل شعور عام بعدم تطبيقها على الجميع بشكل عادل.
وأكدت “الحفناوي” أن استمرار هذا النهج في إدارة الأزمات يهدد استقرار المجتمع، مشيرة إلى أن الإصلاح يتطلب بناء منظومة متكاملة تقوم على الكفاءة والتخطيط والتنسيق بين الجهات المختلفة، إلى جانب تفعيل الرقابة والمساءلة، بما يضمن اتخاذ قرارات واضحة وفي توقيت مناسب يحمي مصالح المواطنين.