تقف مصر أمام اختبار جيوسياسي واستراتيجي غير مسبوق في تاريخها الحديث، حيث يواجه أمنها القومي ضغوطاً متزامنة و مشتعلة عبر حدودها الشرقية والجنوبية والغربية، وفيما تتواصل الحرب والترتيبات الأمنية الشاقة في قطاع غزة المتاخم لشمال سيناء، يلقي الانقسام السياسي وغياب السيطرة المركزية بظلاله على الحدود الغربية مع ليبيا، وتتسع المأساة في السودان لتتحول من أزمة إنسانية داخلية إلى معضلة أمنية واقتصادية عابرة للحدود الجنوبية.
وقد تجسد هذا الضغط الميداني المؤخر في التطورات المتسارعة قرب المثلث الحدودي الاستراتيجي الربط بين مصر والسودان وليبيا؛ عقب الضربات التي استهدفت مواقع وتجمعات لتعدين الذهب غير القانوني قرب جبل العقيدات وسوق الأنصاري، وهو ما فتح ملفات حماية السيادة ومكافحة شبكات التهريب والتسلل العابرة للحدود، وأكد أن حماية الحدود المصرية لم تعد مجرد أولوية دفاعية تقليدية، بل ضرورة لحماية مقدرات الدولة والردع ومنع انتقال أزمات الإقليم إلى الداخل.
حماية الحدود حق مشروع ومصر لن تسمح باستباحة أراضيها
وفي تقييم عسكري واستراتيجي لأبعاد الأمن القومي وحزم الإجراءات الدفاعية، قال اللواء سمير فرج، الخبير العسكري والاستراتيجي، لـ “القصة”، إن حدود أي دولة هي أمنها القومي المباشر؛ مشيراً إلى أنه لو نظرنا عالمياً فإن رئيس أمريكا ترامب أول ما تولى المسؤولية أنشأ سوراً كلفه مليارات الدولارات بين بلاده والمكسيك لمنع الهجرة والتدفقات غير الشرعية.
وتساءل فرج: هل يقبل أي شخص أن يدخل بيته غريب؟ وهذا تماماً ما نطبقه في حماية حدودنا؛ لكون الحدود عندما تكون مستباحة يتسلل عبرها مهربو المخدرات والعملات والأفراد لغرض الهجرة غير الشرعية، أو مهربو المتفجرات، فضلاً عن مجرمين فارين من بلادهم، مؤكداً أنه لا توجد دولة تسمح باختراق حدودها.
وأوضح الخبير العسكري أن ما تقوم به مصر هو حق مشروع تماماً؛ لأن تلك العناصر استغلت عدم السيطرة على الحدود السودانية، لكون القوات السودانية مجهدة بما يجري في الداخل والحدود مفتوحة. وأضاف أن الأمر ذاته يتكرر في ليبيا، حيث إن الجزء الممتد نحو المثلث الحدودي يقع خارج سيطر الحكومتين الليبيتين وتحت سيطرة القبائل، فأصبح كلاهما مصدراً لاختراق الحدود المصرية.
وشدد اللواء سمير فرج على أن مصر لن تسمح بانتهاك أراضيها، وتمتلك عبر قوات حرس الحدود وجميع الوسائل المتاحة ما يمكنها من منع أي تسلل حتى لو كان لسرقة الذهب المصري، مؤكداً رفض ذلك كلياً ومشيراً إلى أن إجراءات القوات المصرية ستكون أكثر عنفاً وحسماً في الفترة القادمة ضد كل من يحاول اختراق الحدود دون الطرق الشرعية.
التعدين غير القانوني واقتصاد الحرب بالسودان يهددان الأمن الحدودي
من جانبه، قدم حسام الدين إبراهيم، المحلل السياسي المتخصص في شؤون السودان والقرن الإفريقي، لـ “القصة”، تقييماً موجزاً يستند إلى المعطيات حتى منتصف أكتوبر 2026 بشأن الضربة الجوية التي استهدفت مواقع تعدين الذهب الحرفي في منطقة جبل العقيدات/شمال الوادي يوم 10 أكتوبر؛ موضحاً أن عدة ضربات استهدفت مخيمات تعدين غير رسمية بالقرب من سوق الأنصاري صباح ذلك اليوم.
وأشار إبراهيم إلى أن تقديرات الضحايا تتراوح بين 13 قتيلًا وفق شبكة أطباء السودان، وما لا يقل عن 72 قتيلًا وفق مجموعة “محامو الطوارئ”، فيما تحدثت بعض شهادات الناجين عن سقوط أكثر من 100 قتيل. ولفت إلى أن مصر لم تعلن مسؤوليتها عن الضربات بل أعلنت القوات المسلحة المصرية بدء المرحلة الثالثة من حملة تستهدف التعدين غير القانوني داخل أراضيها، بينما أصدر مجلس السيادة السوداني قراراً بإجراء تحقيق لتقصي الحقائق.
وأكد الخبير في الشأن السوداني وجود معلومات أساسية غير محسومة حتى الآن، أبرزها: الموقع الدقيق للضربات بالنسبة للحدود الدولية أو منطقة مثلث حلايب المتنازع عليها، وهوية الطائرات التي نفذت الضربات وما إذا كانت قد صدرت تحذيرات مسبقة، والحصيلة النهائية الموثقة للقتلى في ظل غياب التحقق المستقل.
وأوضح إبراهيم أن الواقعة تكشف عن استمرار الفراغ الأمني في منطقة وعرة مع ضعف الحضور الحكومي، وتوسع التعدين الحرفي بسرعة منذ 2023 كمصدر عيش للسودانيين في ظل الانهيار الاقتصادي. وأضاف أن الوضع غير المحسوم للمنطقة في ظل الإدارة المصرية لمثلث حلايب والمطالبات السودانية بها يؤدي لتداخل الاختصاصات وضعف المساءلة، موضحاً كيف يترتب على ضعف الحضور الحكومي بالجانب السوداني وتشدد الإجراءات المصرية نتائج مميتة بحق عمال مدنيين غير مسلحين.
وعن تأثير الحرب والتعدين على الحدود، أكد حسام الدين إبراهيم أن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً لتمويل الحرب للجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وأن كميات كبيرة من الذهب المستخرج غير رسمي تعبر الأراضي المصرية للأسواق الدولية، مما يغذي شبكات تهريب موازية تنقل الأسلحة والأشخاص، ويضعف الرقابة على الحدود، وجذب جماعات مسلحة وإجرامية تزيد مخاوف مصر المتعلقة بالسيادة.
وشدد إبراهيم على أن مصر تظل داعماً رئيسياً للجيش السوداني وتستضيف أعداداً كبيرة من مواطنيه، مؤكداً أهمية التفريق بين المطالبة المشروعة بالمحاسبة وتحميل شعب كامل مسؤولية ما حدث، ومحذراً من استغلال المأساة لإثارة العداء بين الشعبين؛ إذ إن محاسبة المسؤولين عن مقتل المدنيين ضرورية لمنع الانزلاق نحو التوتر البنيوي.
غزة وسيناريوهات التوتر الحدودي والمواقف المتضاربة مع تل أبيب
وعلى الجبهة الشرقية، أورد هيثم حسنين، المحلل المتخصص في العلاقات العربية الإسرائيلية والسياسة الأمريكية، “للقصة” قراءة للمستجدات؛ حيث أكد أن غزة أصبحت إحدى أبرز ساحات الخلاف بين القاهرة وتل أبيب، ليس فقط بسبب العمليات العسكرية، و إنما للتباين في الرؤى المتعلقة بمستقبل القطاع والترتيبات الأمنية والسياسية التي ستعقب الحرب.
وأوضح حسنين أن مصر تنظر لاستقرار غزة باعتباره مرتبطاً مباشرة بأمنها القومي، خصوصاً فيما يتعلق بالحدود مع القطاع ورفض تهجير الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية، بينما تضع إسرائيل الاعتبارات الأمنية ومنع إعادة بناء قدرات حماس في المقدمة. ولفت إلى أن هذا التباين لا يعني انهيار العلاقة الاستراتيجية بل يفرض ضغوطاً على إدارتها، مع صعوبة الانتقال من وقف إطلاق النار لتسوية مستدامة في ظل عقبات الانسحاب والإعمار والإدارة المستقبلية.
وأشار المحلل السياسي إلى أن نقاط الخلاف تتمركز في ثلاثة ملفات: مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي ومدى ارتباطه بنزع السلاح، والجهة التي ستتولى إدارة غزة، وأمن الحدود ومنع التهجير وضمان تدفق المساعدات الإنسانية. وأشار في هذا السياق إلى تأكيد مصر في بيان وزارة خارجيتها، في 14 أكتوبر 2026، دعمها التنفيذ الكامل لخطة السلام الأمريكية لتثبيت وقف إطلاق النار وضمان المساعدات واستكمال الانسحاب والإعمار.
وحول أدوات التأثير، أوضح حسنين أن مصر تمتلك أدوات مهمة بحكم الحدود والوساطة واتصالاتها بالأطراف، مع ارتباط أمن سيناء بالقطاع، لكن التأثير مرتبط باستعداد الأطراف الأخرى. أما الولايات المتحدة فتمتلك أدوات ضغط دبلوماسية وعسكرية واقتصادية مؤثرة ورعاية لخطة السلام.
واختتم هيثم حسنين بالتمييز بين الخلافات السياسية والوصول لمرحلة تهدد معاهدة السلام؛ جازماً بأن الخلافات لا تعني القطيعة التلقائية لكن استمرارها يتطلب آليات احتواء عملية بشأن أمن الحدود والوجود العسكري والمساعدات والانسحاب ومستقبل الإدارة الفلسطينية.