الاستراتيجية الأساسية للحرب هدفت إلى شلّ القيادة الإيرانية وتدمير ترسانتها الصاروخية وإسقاط النظام. لكن ما يحدث اليوم ونشهده جميعاً هو توسّع للصراع عسكرياً واقتصادياً وجيوسياسياً.
فبعد ثلاثة أسابيع من بدء الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تتكشف حقيقة بات من الصعب تجاهلها: الاستراتيجية التي كان يُفترض أن تحقق ضربة حاسمة وسريعة لم تحقق أهدافها الأساسية.
فالحملة التي صُممت لتدمير قدرات إيران العسكرية، وشل قيادتها السياسية، وربما دفع النظام إلى الانهيار الداخلي، تحولت تدريجياً إلى أزمة إقليمية واسعة، تحمل تداعيات اقتصادية وجيوسياسية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من الشرق الأوسط.
بدأت الحرب بضربات جوية مركزة استهدفت منشآت نووية وقواعد صاروخية وشخصيات قيادية في الدولة الإيرانية. لكن بعد ثلاثة أسابيع، لا يزال الهدف السياسي الأهم، وهو إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، بعيد المنال.
حدود استراتيجية “قطع الرأس”
منذ اللحظة الأولى، اعتمدت الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية على ما يُعرف في الأدبيات العسكرية باستراتيجية “قطع الرأس”، أي استهداف القيادات العليا للنظام بهدف إحداث انهيار سريع في بنية الدولة.
وقد استهدفت الضربات الإسرائيلية والأمريكية شخصيات سياسية وأمنية بارزة، من بينها شخصيات قريبة من دوائر السلطة مثل علي لاريجاني، وهو من أهم الشخصيات السياسية وأكثرهم دراية ببواطن الأمور، سواء في العلاقات الخارجية السياسية أم في سبل الالتفاف حول العقوبات الاقتصادية المقروضة عليهم، إضافة إلى مسؤولين أمنيين كبار، كوزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب، وقائد قوات الباسيج غلام رضا.
لكن التجارب التاريخية تُظهر أن هذه الاستراتيجية نادراً ما تؤدي إلى انهيار الأنظمة التي تمتلك مؤسسات قوية ومتداخلة.
فالنظام الإيراني مبني على شبكة معقدة من المؤسسات، منها القيادة الدينية، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، والبيروقراطية السياسية، وهي بنية صُممت أساساً لتحمل الصدمات.
وبعد ثلاثة أسابيع من الحرب، يبدو أن هذه البنية لا تزال تعمل.
الشارع الإيراني لم يتحرك حتى الآن
كان أحد الافتراضات غير المعلنة لدى صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أن الحرب قد تؤدي إلى تحريك الشارع الإيراني ضد النظام.
لكن هذا السيناريو لم يحدث.
بل إن الحروب كثيراً ما تؤدي إلى ظاهرة معروفة في العلوم السياسية تُسمى “الالتفاف حول العلم”، أو كما تُعرف بالإنجليزية “Rally ’round the flag”، حيث تميل المجتمعات إلى التماسك خلف الدولة عندما تواجه تهديداً خارجياً.
ويبدو أن إيران تشهد قدراً من هذه الظاهرة، حيث لم تظهر حتى الآن موجة احتجاجات واسعة قد تهدد استقرار النظام.
الترسانة الصاروخية لم تُدمّر
كان الهدف العسكري الثاني للحرب هو القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية.
لكن بعد أسابيع من القصف المكثف، لا تزال الصواريخ الإيرانية تُطلق باتجاه أهداف في إسرائيل ومناطق قريبة من قواعد أمريكية في الخليج، بل ورأينا في الأيام الأخيرة دخول أنواع جديدة من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية المعركة، كصاروخ سجيل، خرمشهر، فتاح، وغيرهم.
ويشير ذلك إلى أن إيران اعتمدت على استراتيجية عسكرية قامت بتطويرها عبر العقود: شبكة واسعة من الأنفاق تحت الأرض، ومنصات إطلاق متحركة، ومستودعات مخفية.
كل هذه العناصر صُممت تحديداً لتحمّل الضربات الجوية الأولى.
وبالتالي، فإن استمرار إطلاق الصواريخ يشير إلى أن البنية العسكرية الإيرانية لم تُشلّ بالكامل.
مضيق هرمز: السلاح الاستراتيجي لإيران
لكن ربما يكون السلاح الأقوى في يد إيران ليس صواريخها.
بل موقعها الجغرافي.
يمر نحو خُمس تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ومع تصاعد الحرب، أدى تعطّل حركة الملاحة في المضيق إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط والغاز عالمياً، وارتفاع تكاليف التأمين على السفن.
وبذلك تحولت الحرب من مواجهة عسكرية إقليمية إلى أزمة طاقة عالمية.
الطاقة تتحول إلى ساحة حرب
مع استمرار القتال، بدأت الحرب تأخذ بعداً اقتصادياً واضحاً.
فاستهداف منشآت الطاقة، ومن بينها منشآت مرتبطة بحقل جنوب فارس للغاز، يعكس انتقال الصراع إلى مرحلة الحرب الاقتصادية.
وفي المقابل، استهدفت إيران منشآت وبنية تحتية مرتبطة بالطاقة والملاحة في الخليج.
وهذا يعني أن أسواق الطاقة العالمية أصبحت جزءاً مباشراً من ساحة الصراع.
التداعيات الجيوسياسية الأوسع
لا تظل الحروب الكبرى محصورة في جغرافيتها الأصلية.
فحين تنشغل قوة عظمى في صراع كبير في منطقة ما، تبدأ القوى الأخرى في اختبار موازين القوى في مناطق أخرى.
وهذا ما يبدو أنه يحدث الآن في شرق آسيا.
فقد كثفت الصين ضغوطها السياسية والعسكرية على تايوان، مستفيدة من انشغال واشنطن بالأزمة في الشرق الأوسط.
وهكذا، قد يتحول الصراع في الخليج إلى لحظة إعادة تشكيل أوسع للتوازنات الدولية.
الرؤية المصرية: الوساطة كخيار استراتيجي
في خضم هذه التطورات المعقدة، تبدو مقاربة مصر للأزمة مختلفة نسبياً.
فالقاهرة تدرك أن اتساع رقعة الحرب في المنطقة لن يهدد فقط استقرار الشرق الأوسط، بل سيؤثر أيضاً على الاقتصاد العالمي وعلى الأمن الإقليمي، بما في ذلك أمن البحر الأحمر وقناة السويس.
من هذا المنطلق، تميل السياسة المصرية إلى دعم الحلول الدبلوماسية والوساطة السياسية بدلاً من التصعيد العسكري.
فمصر تمتلك تاريخاً طويلاً في لعب أدوار الوساطة في النزاعات الإقليمية، كما أنها تحتفظ بعلاقات متوازنة نسبياً مع أطراف متعددة في المنطقة.
ومن ثم، فإن تبني القاهرة لدور الوسيط لا يعكس فقط رغبة في تهدئة الصراع، بل يمثل أيضاً خياراً استراتيجياً لحماية استقرار المنطقة ومنع انزلاقها إلى حرب أوسع.
حرب قد تعيد رسم الخريطة
قبل ثلاثة أسابيع، كان مهندسو هذه الحرب يعتقدون أنهم يطلقون حملة عسكرية محدودة يمكنها تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط بسرعة.
لكن ما يحدث الآن يبدو مختلفاً تماماً.
أسواق الطاقة تتقلب.
الجبهات الإقليمية تتوسع.
والقوى الدولية تعيد حساباتها.
ويذكرنا التاريخ بحقيقة بسيطة لكنها قاسية:
الحروب قد تبدأ بخطط دقيقة، لكنها نادراً ما تنتهي كما توقع صانعوها.
والسؤال اليوم لم يعد فقط ما إذا كانت هذه الحرب ستعيد تشكيل الشرق الأوسط.
بل ما إذا كانت ستعيد تشكيل النظام الدولي بأكمله.