تصاعدت المواجهة بين إيران وأمريكا، ليس فقط على الأرض، بل أيضًا في ساحات الإعلام وحرب المعلومات.
وبين تضارب الروايات ومحاولات كل طرف فرض سرديته، تتكشف ملامح صراع تحكمه توازنات دقيقة، في وقت يواجه فيه صانع القرار الأمريكي ضغوطًا داخلية وخارجية متزايدة، تقابلها أوراق قوة يمتلكها الجانب الإيراني، خاصة في ملف الطاقة والممرات الاستراتيجية.
وفي ظل هذا المشهد المضطرب، تظل حالة “اللا يقين” هي العنوان الأبرز، مع انفتاح كل السيناريوهات ما بين استمرار التصعيد أو الاتجاه نحو مفاوضات تُدار تحت وطأة الضغوط
في هذا التقرير، نقدم تحليلًا لتطورات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ضغوط متشابكة على الطرفين، وتصاعد حرب المعلومات، مع استعراض أوراق القوة الإيرانية والسيناريوهات المحتملة للأزمة.
ضغوط داخلية وخارجية تدفع نحو التهدئة
في هذا الإطار، قال اللواء محمد عبد الواحد الخبير أمني والأستراتيجي وخبير مكافحة الإرهاب الدولي والأمن القومي، المتخصص في الشؤون الأفريقية، لـ”القصه” إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يواجه ضغوطًا عسكرية ونفسية كبيرة، سواء من الخارج أو الداخل، وهو ما انعكس على مواقفه الأخيرة تجاه التصعيد.
وأوضح أن هذه الضغوط تأتي من عدة أطراف دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي، إلى جانب شركاء دوليين، فضلًا عن دول جنوب شرق آسيا وعلى رأسها الصين، وهو ما يشكل عبئًا سياسيًا على الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على الخارج فقط، بل تمتد إلى الداخل الأمريكي، حيث توجد معارضة واسعة للحرب، واعتبارات تتعلق بعدم وجود شرعية سياسية كافية لهذا التصعيد.
كما أشار إلى أن إسرائيل تمارس ضغطًا إضافيًا، في ظل تعرضها لضربات موجعة داخل أراضيها خلال الأيام الماضية، وهو ما ينعكس بدوره على الداخل الإسرائيلي ويزيد من حدة الضغوط على واشنطن.
وأكد أن مجمل هذه العوامل دفعت ترامب إلى القبول بفكرة المفاوضات أو منح مهلة لاحتواء التصعيد، في محاولة للتعامل مع حجم الضغوط المتزايدة عليه
حسابات الطاقة ورد الفعل الإيراني
وأشار إلى أن المهلة التي تم الحديث عنها، والتي قُدرت بنحو 48 ساعة، تأتي في إطار محاولة “حفظ ماء الوجه”، مرجحًا عدم تنفيذ تصعيد واسع خلالها لعدة أسباب رئيسية.
وأوضح أن من أبرز هذه الأسباب تأثير أي تصعيد على قطاع الطاقة، واحتمالات الرد الإيراني القوي، والذي قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط عالميًا، وهو ما ستكون له تداعيات مباشرة على الاقتصاد الأمريكي.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة يمثل تهديدًا سياسيًا كبيرًا لأي رئيس، خاصة أن التاريخ الأمريكي يشير إلى أن أسعار البنزين كانت سببًا في تراجع شعبية رؤساء وخسارتهم الانتخابات.
وأكد أن هذه الضغوط دفعت ترامب إلى التصريح مؤخرًا بوجود محادثات مع الجانب الإيراني، واحتمال التوصل إلى حل، وهو ما يعكس تحولًا في لهجة الخطاب نحو التهدئة، بعد أن كانت أكثر حدة في السابق.
حرب معلومات وضبابية المشهد
وأكد أن ما يجري لا يقتصر على كونه حربًا عسكرية فقط، بل هو في الأساس حرب معلومات، تتضمن أبعادًا نفسية ، وهو ما يفسر حالة التضارب في الأخبار وعدم مصداقية الكثير من المعلومات المتداولة.
وأوضح أن كلا الطرفين، الأمريكي والإيراني، يمارس نوعًا من التهويل والمبالغة في عرض الأحداث، مع نشر مقاطع فيديو وصور قد لا تكون حقيقية، في إطار السعي للسيطرة على السردية وكسب الرأي العام.
وأشار إلى أن هذه الحرب تشهد فوضى إعلامية كبيرة، خاصة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ما يخلق حالة من الضبابية بشأن حقيقة ما يحدث، وكذلك بشأن مستقبل الصراع، فيما يُعرف بـ”ضبابية الحرب”.
واختتم بأن مستقبل الأزمة لا يزال غير واضح، في ظل الحديث عن مفاوضات جارية بين الجانبين، أشار إليها ترامب بنفسه، مع تراجع نسبي في حدة الخطاب، دون الإعلان عن مهلة جديدة، ما يعني أن كل السيناريوهات لا تزال مطروحة في حال فشل هذه المباحثات.
ميزان القوة وضغوط الحرب
ومن جانبه قال الدكتور حسام النحاس أستاذ الإعلام والمحلل السياسي، إن ما نشهده حاليًا يعكس ممارسة أقصى درجات الضغط على النظام الإيراني، خاصة بعد الاستهدافات التي طالت إسرائيل، وهو ما جعل قرار الحرب لم يعد قرارًا منفردًا للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بل بات مرهونًا بحسابات معقدة تتعلق بالمكاسب الأمريكية والإسرائيلية.
وأوضح أن الحرب لا تخلو من إشكالات كبيرة، إذ يمتلك الجانب الإيراني أوراق ضغط مؤثرة، في مقدمتها مضيق هرمز، الذي يمثل شريانًا حيويًا لحركة الطاقة العالمية، في وقت يعاني فيه العالم بالفعل من أزمة في أسعار النفط والطاقة، ما يمنح طهران مساحة للمناورة.
صراع الروايات وحرب الإعلام
وأشار الدكتور حسام إلى أنه لا يمكن حتى الآن تصديق أي رواية بشكل كامل، في ظل حالة “اللا يقين” التي تسيطر على المشهد العالمي، حيث تتعدد الروايات وتتناقض المعلومات، بل إن بعض الصور ومقاطع الفيديو المتداولة يتبين لاحقًا عدم صحتها.
وبيّن أن الرواية الأمريكية الإسرائيلية تسوّق لفكرة أن الحرب كانت ضرورة حتمية، وأنها حققت أهدافًا كبرى، من بينها توجيه ضربات قاسية للبنية التحتية الإيرانية، واستهداف مراكز القوة العسكرية والاستراتيجية.
في المقابل، تطرح إيران روايتها الخاصة، مؤكدة قدرتها على استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، والوصول إلى عمق الداخل الإسرائيلي، فضلًا عن امتلاكها مخزونًا استراتيجيًا من الصواريخ، وقدرتها على التحكم في مضيق هرمز، وهو ما يتم الترويج له عبر وسائل إعلام داعمة لها.
وأكد أن الحقيقة الكاملة لا تزال غائبة بين هاتين الروايتين، وإن كان من المؤكد أن الضربة الأولى للحرب ألحقت خسائر كبيرة بالجانب الإيراني، مستفيدة من معلومات استخباراتية دقيقة لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
سيناريوهات التصعيد والمفاوضات
وأضاف الدكتور حسام أن السيناريو الأقرب خلال المرحلة المقبلة هو استمرار التصعيد، في ظل امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل “بنك أهداف” لم يتم استكماله بعد، مع حرصهما على عدم منح إيران فرصة لتحقيق مكاسب من الحرب.
كما أشار إلى أن التجارب السابقة تشير إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه إلى طاولة المفاوضات إلا تحت ضغط عسكري مكثف، وهو ما يعني أن أي مفاوضات محتملة قد تأتي في ظل استمرار العمليات العسكرية.
واختتم بأن الحديث عن استسلام إيراني غير مشروط يظل أمرًا معقدًا وغير واقعي في المدى القريب، نظرًا لطبيعة النظام الإيراني وقدرته على الصمود، ما يجعل المشهد مرشحًا لمزيد من التعقيد، بعيدًا عن أي حلول سريعة أو سهلة.