رغم ما تنص عليه القوانين المصرية المنظمة للصحافة من ضمانات لحرية الرأي والتعبير، فإن الواقع العملي يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين النصوص التشريعية وما يُمارس فعلياً على أرض الواقع.
ويرى عدد من المحامين الحقوقيين أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في قوانين الصحافة ذاتها، بل في المنظومة التشريعية الموازية التي تقيد حرية الصحفيين وتعرقل ممارستهم المهنية.
فجوة عميقة
يقول المحامي الحقوقي مالك عدلي: “إن الأزمة الكبرى في المشهد الصحفي المصري لا تكمن في صياغات القوانين المنظمة للصحافة، بل في الفجوة العميقة بين النصوص القانونية وما يحدث على أرض الواقع”، مؤكدا أن القوانين تكفل نظرياً عدم الحبس أو العقوبة في قضايا النشر، إلا أن الواقع يشهد وجود مثل هذه القضايا بالفعل.
وأوضح لـ “القصة” أن المشكلة ليست في القانون، بل في ترسانة تشريعات موجودة بالتوازي مع القوانين المنظمة لممارسة مهنة الصحافة.
وأضاف “مالك”: “هناك قوانين لها علاقة بالعقوبات، ولها علاقة بالإرهاب، وقوانين متعلقة بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، وأيضاً قوانين لها علاقة بالمطبوعات، جميعها تتضمن نصوصاً تُجيز الحبس، لذلك لم يعد السؤال هنا في قوانين الصحافة، بل: هل المنظومة التشريعية داخل جمهورية مصر العربية تكفل حقوق ممارسة حقيقية لحرية الصحافة؟ وفي هذه الحالة تكون الإجابة: لا تكفل المنظومة التشريعية حقوق ممارسة حقيقية لحرية الصحافة”.
حرية الكتابة
وأشار “عدلي” إلى أن هناك مشكلة في التعامل مع الصحافة كمفهوم كامل، وأن المشكلة لا تكمن في قوانين الصحافة المباشرة.
وأضاف: “أن القانون 96 لسنة 1996 الخاص بتنظيم مهنة الصحافة لم يكن به مشاكل تُذكر، وله علاقة بكفالة حرية مهنة العمل الصحفي، وكذلك قانون المجلس الأعلى للصحافة، وقانون الهيئة الوطنية للصحافة، لكن الأزمة في باقي القوانين المرتبطة مثل قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية وأيضاً قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات”.
وتابع “عدلي” متسائلاً: “ماذا يضمن للصحفي أن يكتب موضوعاً دون أن يجد نفسه أمام المحكمة الاقتصادية بتهمة مخالفة قيم الأسرة المصرية أو التعدي على قيمها؟” مؤكداً: “لا يمكن الحديث عن وجود صحافة حرة إلا عندما يتمكن الصحفي من الكتابة بحرية دون أن تكون العواقب هي السجن”.
وأشار “عدلي” إلى أنه “لا يوجد في العالم الحر قوانين تنص على تقييد حرية الإعلام أو التقليل من دوره”، موضحاً أن مثل هذه القوانين لا توجد في أي من الدول التي تتمتع بمزيد من الحريات. وأضاف “عدلي”: “إن ما يقيد حرية الصحافة هو الترسانة التشريعية، وهي التي يُعمل بها في البلاد النامية، بينما في دول أخرى يُعد الدفاع عن حرية الصحفي جزءاً من نجاة المواطن”. وأوضح أن النظام الحالي يتيح للدولة السيطرة على جميع المنافذ الصحفية، وأنها لا تتعامل بمساواة مع المنصات الصحفية المختلفة.
ضرورة المراجعة
من جانبه، يقول المحامي الحقوقي “ناصر أمين”: “إن جميع القوانين المتعلقة بتنظيم الصحافة بحاجة إلى مراجعة في ضوء المعايير الدولية المعنية بحرية الرأي والتعبير، خاصة المتعلقة بالحقوق المدنية والسياسية، لما في هذه القوانين من عوار شديد يمهد لإعاقة حرية الرأي والتعبير سواء في مسألة حق تكوين الصحف وإصدارها أو حق التعبير عن الرأي فيها”.
وأوضح “أمين” لـ “القصة” أن “كل هذه القوانين بحاجة إلى مراجعة نظراً لعدم توافقها المطلق مع المعايير الدولية لحرية الصحافة”، مشيراً إلى أن مثل هذه القوانين التي تنص على تقييد حرية الصحافة لا توجد سوى في دول العالم الثالث، وهي الدول التي تشهد وجود هذا النوع من التشريعات المقيدة، في حين لا توجد مثل هذه القوانين في الدول المتحضرة.