تُعتبر قناة السويس أحد أهم الأعمدة الاستراتيجية في الاقتصاد المصري، وذلك لموقعها الجغرافي الفريد من نوعه وربطها بين قارات العالم القديم عن طريق البحر المتوسط و البحر الأحمر، كما تعتبر مصدراً مهما لجذب العملة الأجنبية، لكن الوضع الراهن يشير إلى تراجع غير مسبوق.
أرجع الخبراء الذين ناقشهم موقع “القصة” الخسائر للأوضاع الجيوسياسية وهجمات الحوثيين من ناحية إلى جانب الاقتراض ورفع أسعار شركات التأمين بسبب مخاطر القرصنة، إلى جانب اضطرار الحكومة للاقتراض ودفع فوائد لتعويض الفجوة الدولارية، وحذروا من تحول التجارة العالمية لرأس الرجاء الصالح.
خسائر متصاعدة
بحسب بيانات البنك المركزي المصري، تراجعت إيرادات قناة السويس إلى 3.62 مليار دولار خلال العام المالي 2024-25، بانخفاض نسبته 45.5% مقارنة بالعام المالي السابق، لتسجل أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا.
في المقابل، كانت إيرادات القناة قد بلغت 8.76 مليار دولار في العام المالي 2022-23، قبل أن تبدأ بالانخفاض الحاد نتيجة مجموعة من العوامل الأمنية والاقتصادية العالمية والإقليمية.
فتش عن الأوضاع الجيوسياسية
صرحت حنان رمسيس الخبيرة الإقتصادية والمصرفية لـ” القصة”: تسببت الأحداث الجيوسياسية في المنطقة، بما في ذلك هجمات الحوثيين على ناقلات النفط والسفن العملاقة المرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى صواريخ الحوثيين باتجاه إسرائيل، في تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس وتخفيض إيراداتها.
وأكدت أن شركات التأمين قامت برفع رسوم التأمين على السفن العابرة لقناة السويس بسبب المخاوف من القرصنة وهجمات الحوثيين، مما أثر بشكل كبير على تدفق حركة السفن عبر القناة قبل بدء هجمات الحوثيين.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة قد طالبت إدارة قناة السويس بتخفيض رسوم العبور، معتبرة إياها مرتفعة جداً، وهددت باستخدام طريق رأس الرجاء الصالح لتوفير التكاليف حتى لو استغرق ذلك وقتاً أطول، مما شكل ضغطاً على القناة لخفض رسومها.
خطة الحكومة لتعويض التراجع
يقول محمد علي خبير النقل البحري في تصريحات خاصة لموقع “القصة”، إن الانخفاض في إيرادات قناة السويس يفوق تقديرات الحكومة البالغة 9 مليارات دولار سنويًا، مشيرًا إلى أن الحساب الحكومي لا يأخذ في الاعتبار الزيادة السنوية المتوقعة في الإيرادات التي كانت تبلغ 1.5 مليار دولار قبل الأحداث. كما أن هناك خسائر إضافية تتمثل في اضطرار الحكومة للاقتراض ودفع فوائد لتعويض الفجوة الدولارية التي كانت تسدها إيرادات القناة.
كما أوضح أن الخوف الرئيسي في تحول الملاحة الدولية بعيدًا عن قناة السويس بشكل دائم بسبب استمرار الأحداث. ومع انخفاض أسعار البترول (أقل من 70 دولارًا للبرميل)، يصبح مسار رأس الرجاء الصالح أكثر جاذبية لمالكي ومشغلي السفن، حيث يمكنهم تعويض رسوم القناة وتكاليفها عن طريق الوفر في تكاليف الوقود.
العودة مجدداً للريادة وتحقيق الإيرادات
وأشار “علي” إلى أن الحكومة تأمل في استقرار الأوضاع ووقف إطلاق النار لتعود الملاحة إلى ما كانت عليه قبل الأحداث. ومع ذلك، لا يُتوقع أن يتم ذلك بسرعة، حيث تحتاج الشركة من 3 إلى 6 أشهر لإعادة جدولة مساراتها، كما تقوم الحكومة بجهود دبلوماسية ومفاوضات مع شركات الشحن الكبرى، مثل ميرسك، لإقناعها بالعودة إلى القناة، بالإضافة إلى استغلال هذه الفترة لتحسين الخدمات وتوسيع المسارات الملاحية.
السبب الرئيسي للتراجع
ونوه إلى أن السبب المباشر لتراجع الملاحة هو هجمات الحوثيين، التي أدت إلى رفع شركات التأمين البحري لرسوم التأمين بسبب خطورة منطقة البحر الأحمر وباب المندب، هذا يدفع ملاك السفن لتجنب المناطق الخطرة، كما استفادت سفن الحاويات وخطوط الملاحة المنتظمة من هذا الوضع، إذ ارتفعت أسعار جوالين الشحن، مما سمح لها بامتصاص العرض الزائد من السفن وتحقيق أرباح على الرغم من الاضطرار إلى سلك مسافات أطول حول رأس الرجاء الصالح.