لا يغرنك ما تراه عينك من هذه الأسوار المدرسية التي طُليت بالألوان المبهجة، وتزينت بالرسوم المزركشة والمبرقشة، وخُطّت عليها شعارات وعبارات واعظة، مثل: «قم للمعلم وفّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولًا»، و«النظافة من الإيمان»، و«من غشنا فليس منا»، و«منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب مال».
إن مثل هذه الأقوال والحكم الجميلة يكاد لا يكون لها أثر يُذكر فيما يقع بالفعل خلف هذه الأسوار المنمقة، فليس كل ما يلمع ذهبًا، وإن من أردأ ما نعاني منه على امتداد تاريخنا الاجتماعي احتفالنا بالمظهر وإهمالنا للجوهر، حتى غدونا مجتمعًا مظهريًا بامتياز، وهذا الخُلُق قد تغلغل في معظم مؤسساتنا الحكومية وساد فيها.
فرغم ما نقرأ ونسمع من تصريحات وقرارات السيد وزير التعليم، من أن الدولة تشدد على كرامة المعلم، وتشمل المعلمين برعايتها الفائقة، وأن كرامتهم وهيبتهم محفوظتان أمام طلابهم وأولياء أمورهم، فإن هناك واقعًا ناطقًا فاضحًا لا تصمد أمامه هذه التصريحات لحظة واحدة.
فالتعدي على المعلم والتحرش به من قِبل أولياء الأمور، ومن قبلهم أبناؤهم، حوادث باتت روتينًا لازمًا ومستمرًا لا انقطاع له، فلم يعد المعلم يُوفَّى إلا سبًّا وشتمًا وتطاولًا وعنفًا يصل إلى درجة التعدي عليه بدنيًا داخل المدرسة وخارجها.
فكيف لمعلم مُهان أن يقف في فصله مواجهًا تلميذه المُهين له؟! وكيف يسلم المعلم نفسيًا ويصح ضميره في عمله بعد إهانته من ولي أمر ما؟!
لقد اختلف سلوك الطالب الحالي في المدرسة عما كان عليه قديمًا، إذ أصبح الانفلات السلوكي والأخلاقي السمة العامة للغالبية العظمى من طلابنا وطالباتنا، كما أن انتماء الطالب إلى بيئته المدرسية قد نُسف نسفًا مروعًا، فأكياس الطعام الفارغة تملأ الأدراج وردهات المدارس وأفنيتها، وتعرُّض المقاعد في الفصول للتشويه والتحطيم سلوك معتاد، ناهيك عما يصل إلى أذنك من عبارات يتصايح بها الطلاب فيما بينهم، تحمل من القبح والتدني ما لم تسمعه من المتشردين والبلطجية والخارجين على القانون.
إن الطلاب يتظاهرون أمام أولياء أمورهم غالبًا بغير ما يفعلونه خلف أسوار المدرسة، وربما يعلم بعضهم بسلوك أبنائهم، ولكنهم لا يبالون بذلك الأمر، بل ربما يشجعونهم على طريقة الحوار الدرامي في أحد المسلسلات المصرية: «البيت اللي ما فيهوش صايع حقه ضايع».
ومن المحزن أننا نعلم هذه الحقائق، ولكننا نزين الأمور وندفن رؤوسنا في الرمال، ولم نعد نشعر بالخزي والعار تجاه ما يحدث، إننا نتجرد من الفضائل والقيم التي تربينا عليها، والتي أصبحت في طي النسيان ومن مخلفات الزمن القديم.
أضف إلى ذلك فقدان الحماس والشغف للتنافس في تلقي العلم، والحرص على التميز والتفوق وتحقيق الأماني والغايات والأحلام بالجهد والصبر والمثابرة، ذلك أن ما يحرص عليه الطلاب، طبعًا باستثناء أعداد قليلة محدودة للغاية، هو الغش، وهو الطامة الكبرى التي تنسف مبدأ تكافؤ الفرص.
فلا تعجب إذا وجدت طالبًا بدأ حياته الدراسية شغوفًا بالتعليم، حريصًا على تحصيل العلم، متطلعًا للسبق والتفوق، ثم فجأة إذا به يتحول تدريجيًا إلى الخمول والإهمال والفشل، بل يصل الأمر لديه إلى إصابته بالاكتئاب.
لقد صار طالبًا مجنيًا عليه، فقد ارتكب النظام التعليمي في حقه جريمة عظيمة، إذ حوّله من مشروع مواطن صالح قد يكون عالمًا أو مفكرًا ينفع وطنه، إلى كائن مشوه نفسيًا، ووضعه غالبًا على أول درجات الانحراف والتطرف.
إن ما يحدث خلف أسوار مدارسنا الحكومية لم يعد له وصف يناسبه إلا أنه جريمة في حق حاضر الوطن ومستقبله، وإن مرجع هذه الجريمة ليس في أغلب الأمر راجعًا إلى العاملين بالمدارس، بدءًا من مدير المدرسة وانتهاءً بعمال النظافة، وإنما يرجع في اعتقادي إلى غياب الرؤى عند صانع القرار التربوي، وفشله في التخطيط، وافتقاده لحلول واقعية شاملة لكل عنصر من عناصر الضبط التربوي في إطار المؤسسات التعليمية.
فإن ما يجهله الكثيرون أن مدارسنا الحكومية في وقتنا الراهن «تُدار دون إدارة»، فقد أُحيل إلى التقاعد معظم العاملين في الإدارة المعاونة للمدرسة (الإداريون)، والوكلاء والنظار، وكذلك عمال النظافة.
ولا يخفى عليكم أن هذه الإدارة المعاونة من إداريين ووكلاء بمثابة العمود الفقري لأي مدرسة، وشريانها السري، والدينامو المنتج لطاقة العمل، وهم القائمون على عملية إحكام إيقاع حركة الطلاب والانضباط على مدار اليوم المدرسي.
فلك أن تتخيل مدارسنا وقد خلت تمامًا من الإدارة المعاونة، وما يزيد الخراب خرابًا والانهيار تفاقمًا هو استعانة المدارس ببعض معلميها، وتكليفهم بمهام إدارية بالإضافة إلى عملهم معلمين، وهذا عبء ثقيل يحد من طاقتهم لأداء عملهم الأساسي داخل الفصول الدراسية.
ومهما بذل مديرو المدارس من طاقة وجهد في سبيل تحقيق الحد الأدنى من إدارة المدرسة، فإن الصورة تبقى عبثية، وهراءً يكرس للضياع والانهيار.
نخلص من كل ذلك إلى القول إن الوظيفة التربوية للمدرسة باتت وهمًا في ظل غياب أهداف واضحة ومفعّلة للإدارة المدرسية، وتقلص دور المتابعة والمراقبة إلى الاهتمام بالمظهر دون الجوهر.
وإن المدارس الحكومية المصرية تحتاج على وجه السرعة إلى إعادة بناء وتنظيم محكم، فالمدرسة ليست مكانًا لتلقي العلم فحسب، فذلك نقطة في بحر لُجّي، فمفهوم المدارس لدى الأمم الجادة الناهضة حقًا والمتقدمة أوسع من ذلك بكثير، فبالتعليم الجاد فقط نهضت الأمم وتقدمت.