هل ثمة خلاف حول أزمة ثقافتنا المصرية الراهنة، وما أصابها من تغيرات وتبدلات سلبية، عبر ما ينيف عن ربع قرن مضى؟ في ظني أن مقارنة واعية بين حاضرنا وماضينا سوف تنطق جليًّا بأن انقلابًا ثقافيًا مرذولًا قد وقع، وغمر وطال معظم عناصرنا الثقافية، ولا شك أن هذا لم يقع بين عشية وضحاها، وإنما تسلل على مهل نحو قيمنا العريقة ليأتي عليها الواحدة تلو الأخرى، فإذا بالمجتمع المصري قد صار مجتمعًا غريبًا لا عهد للمصريين به.
ولا غرو أن لهذا الانقلاب القيمي مراجعه كثيرة ومتنوعة ومتشابكة إلى درجة التعقيد، مما يحتم علينا إيجاد خطة قومية شاملة ممنهجة تعكف عليها مؤسسات الدولة المصرية لتعيد ما كان لنا من قيم عظيمة راحت أدراج الرياح، والأجدر بالتغيير قيمنا الأخلاقية التي تتصل بالعلاقات الاجتماعية، والقيم التي تُسَيِّر دواليب العمل وحركة التصنيع والإنتاج، وإيقاع الحياة اليومية في الشارع المصري.
إن هذا التغيير القيمي نحو الأفضل ليس بالعمل اليسير، لكنه عمل شاق عسير، يجب على كل القوى الفاعلة الاحتشاد من أجله، وكذلك يتطلب تجاوبًا شعبيًا غير منقوص. إننا في حاجة إلى اجتثاث قيم مؤذية لنغرس مكانها قيمًا إيجابية أصيلة نتعهدها بالسقيا والرعاية حتى تنمو وتزهر، حتى يعود للمجتمع المصري وجهه المشرق.
وإن من أولى القيم المراد إعادتها احترام الآخر، وحرية التعبير، والإعلاء من شأن العلم والعالِم والمتعلم، وتقدير الجار وحبه واحترامه، والتكافل الاجتماعي بعيدًا عن التَصنُّع والافتعال والمظهرية، وتقديم المصلحة العامة على الخاصة، والتصدي لقيم الخنوع والسلبية، والتباهي والزهو بالمظاهر الاجتماعية الطبقية المنفلتة والمُستعلية، ونعمل بحق على دعم قيم المواطنة بوصفها الأساس المتين الذي تنطلق منه المجتمعات الطامحة للرقي والتقدم.
ولا شك أن الاتجاه نحو إحداث تغييرات جزئية متفرقة في ثقافتنا هو اتجاه غير محمود، وإن أتى بنتائج ملموسة بعض الوقت، فتلك المعالجات الجزئية مجرد معالجات تتعامل مع المظهر لا الجوهر، ومع السطح لا العمق، سرعان ما تصيبها انتكاسات غير متوقعة ربما تعيد القيم السلبية إلى مواقعها بصورة أشد ضراوة، وليس على هذا النحو تتقدم الشعوب وترتقي الأمم.
ذلك أن مفهوم الثقافة من المفاهيم التي قد يغيم معناها أو يختلط أمرها أو يضيق تعريفها عند البعض، ولعل المفهوم العام للثقافة يعبر عن كونها المخزون النفسي والاجتماعي المتراكم لمجتمع ما، وهو تراث يصعب تغييره إلا عبر فترات زمنية استثنائية، مثل طول أمد احتلال أجنبي لوطن ما، فيعمل هذا المستعمر معاول هدمه بقسوة بالغة كي يقتلع ثقافة الشعب المغلوب ليضمن بقاءه طويلًا ينهب ويسلب دون هوادة، حتى إذا ما حانت ساعة رحيله ترك وراءه وطنًا محطمًا خاويًا، وربما يأتي هذا الانقلاب الثقافي من الداخل بأيدي بعض أبناء الوطن، وتلك هي النكبة العظمى.
وثقافة أي شعب تتجلى في لونين: هما الثقافة المادية والمعنوية؛ فمن الثقافة المادية الإعلام المرئي والمسموع، وكل وسائل الاتصال، ومن الثقافة المعنوية اللغة والعادات والتقاليد والمعتقدات والبيئة الاجتماعية بكل عناصرها، والثقافة المادية تكون أكثر تأثيرًا وفعالية في الثقافة المعنوية، وبخاصة في ظل غياب الضوابط والمعايير والقوانين التي تمثل الأُطُر الحاكمة التي تتحرك بين جوانبها الثقافة المادية.
فبغياب هذه الأطر تتحول إلى وسائل وأدوات طائشة وغير واعية ومنفلتة أو موجهة أحيانًا، بحيث تقلب المجتمعات إلى مجتمعات سائلة وماسخة ومنفلتة ومشتتة، في رأيها العام ومزاجها الجمعي، وتنجح في تفكيك عقلية المجتمع فتنقلب إلى عقليات متضاربة، ومتنازعة ومتناوئة.
إن ثقافة المصريين عريقة تتمدد بجذورها إلى آلاف السنين، وهي ثقافة منفتحة، قدرها ظروف جيوسياسية تجعلها عصية على الانغلاق، فهي تؤثر وتتأثر، ولكن تأثرها بغيرها كان تأثرًا واعيًا يقبل ما يتفق مع هواها وطبيعتها وتنفر من غيره بل وتصده بقوة.
ومع ظهور موجة العولمة بنسخها المتوالية من الحداثة وما بعد الحداثة وبعد ما بعد الحداثة، أقبلت على ثقافتنا طوفانًا عنيفًا غامرًا دون رحمة عبر شركاته الاستعمارية الرأسمالية المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات، ومن المحزن أنها وجدت تربة خصبة لتوقد حرائقها في قيم البلدان المستهدفة.
التي راحت شعوبها تنحاز دون وعي إلى قيم العولمة كقيمة الاستهلاك المفرط والإشباع المادي والتجمعات السكانية المغلقة التي تطفح بالطبقية والاستعلاء، وغابت قيم العدل والمساواة، وتعالت أصوات التطرف والفتن والتنافر الاجتماعي، وغابت قيم التعقل والحكمة والتقارب.
لذا بات واجبًا حتميًا علينا تفرضه اللحظة الحاضرة أن نبادر لإحياء قيمنا وثقافتنا بوعي على أسس ما في تاريخنا من تراث أخلاقي وقيمي عالي القيمة، وفولكلور فني وأدبي واجتماعي، وميراث علمي لا نظير له عند الآخرين.