رمضان شهر العبادة والسكينة، جوّ هادئ ومريح، خفيف على القلب، يشعر المرء فيه بأن الدنيا تسير على مهل، وأن النفس وجدت مساحة تهدأ فيها أخيرًا.
لكن هذه الصورة المثالية، رغم جمالها، لا تمنع أن تتحول التفاصيل اليومية إلى معاناة حقيقية، خاصة لدى فئة كبيرة من الشباب كالطالب العامل.
اليوم يبدأ قبل الفجر
يبدأ اليوم قبل الفجر بساعة. سحور سريع، ماء قليل، تجهيز للصلاة، وبعد الفجر نقول: ننام قليلًا. لحظة ما تضع رأسك على “المخدة”، يعمل العقل رغمًا عنك ويفكر في محاضرة الساعة التاسعة.
ساعتان نوم؟ أنهض من السابعة؟ أتجهز؟ أركض؟ أتأخر؟ حزن.
وتجد نفسك من أول يوم دخلت في سباق مع الوقت، وتحسب الدقيقة قبل الساعة.
ولو أنعم الله علينا فقرر الدكتور تأخير المحاضرة إلى التاسعة بدلًا من الثامنة، فليس ذلك حلًا، بل تأجيل للمعاناة.
فالمحاضرة تأخرت ساعة كاملة، ولو حدث ودخلت بعد خمس دقائق، فقط سيغضب الدكتور.
الدكتورة والمستهترون
الدكتورة التي تبدأ بتذكيرنا بأنها تركت بيتها وأولادها والطبخ لتعلمنا، ونحن “مستهترون”. نعم، نحن المستهترين هي من تقول هذا، رغم أن الشرح جميعه من الكتاب، وهي لا تفعل شيئًا سوى القراءة فقط.
ننهي دوام الجامعة ونرجع إلى البيت؟ بالطبع لا.
العمل ينتظر.
يتصل المدرس: هل وصلتي الحصة أم لا؟
– آتية.
– استعجلي، فأنا سأنهي المدرسة وآتي إليك.
وتبدأ رحلة ثانية في نفس اليوم، وهي عمل كمساعدة مدرسة.
توزيع امتحانات، محاولة احتواء الأطفال، والتعامل مع سلوكيات صادمة، فأنت تعلم أن هذه السلوكيات ستخرج إلى المجتمع يومًا ما.
لحظات تجعلك تسأل نفسك: هل يحدث كل ذلك في يوم واحد حقًا؟ والإجابة دائمًا: نعم.
حلم الصحافة وسط الدوامة
وسط هذه الزحمة، حلم قديم لا يزال حيًا: الصحافة. مهنة أحبها منذ طفولتي.
كنت أظن الطريق أسهل، والصدمة كانت أقوى، لكن الحب بقي.
فالمثل يقول: حب ما تعمل، حتى تعمل ما تحب، حتى لو كان هذا الحب تحت ضغط، وتحت توقيت قاتل، وتحت أعصاب مشدودة.
خبر الذهب؟ معك نصف ساعة. مكالمة من رئيس القسم:
– خبر عاجل، معك ربع ساعة لنأخذ الخبر.
– حاضر يا رئيس، سأحاول.
– لا تحاولي، أنتِ قادرة… بسرعة.
ويغلق الخط.
الليل… عمل من نوع آخر
الدوامة لا تنتهي.
بين عمل المساعدة وشيفت الصباح، يُطرح سؤال بريء من أحد: ماذا عن شيفت مسائية؟ والغريب أن بعض الناس يظنون الليل وقت فراغ.
الليل بالنسبة للطالب العامل ليس راحة، بل عمل من نوع آخر: أعمال البيت، وغسل الأواني، ومساعدة الأم التي تحب تجهيز الإفطار في الليل، وزيارات رمضان، وقيام الليل، ومسلسلات يجب مشاهدتها لكتابة مراجعة صحفية دقيقة.
وسط كل ذلك، تحاول أن تتذكر أننا في شهر عبادة.
قرآن بما نستطيع، أذكار صباح ومساء، ومكالمة صلة رحم، ومحاولة مستمرة لئلا تهزم الروح أمام ضغط اليوم.
وبعد ذلك… تجهيز السحور، ثم صلاة الفجر، ونعود للنوم نفس الساعتين.
وتتكرر الليلة، ويتكرر اليوم، ويستمر رمضان.
رمضان بطعم الصبر
هكذا تمر ليالي رمضان المبارك على آلاف الطلاب العاملين. رمضان بطعم مختلف حقًا، طعم تعب ومسؤولية وضغط، لكنه أيضًا طعم صبر ومحاولة مستمرة للتوازن.
قد لا يكون رمضان سهلًا على الطالب العامل، لكنه يبقى شهرًا يختبر فيه الإنسان قدرته على الاحتمال، ويثبت فيه أن السعي، مهما كان مرهقًا، لا يقل أجرًا عن التعب.