بينما ينشغل العالم بعد الضحايا في أزقة غزة المنكوبة، تدور في الغرف المغلقة “أحجار شطرنج” عسكرية وسياسية تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بالنار والدم لم يعد السؤال الآن: “متى ستتوقف الحرب في غزة؟”، بل “أين ستقع الضربة القادمة؟”.
في تحليل خاص لـ “القصة”، يكشف محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، عن تحول “دراماتيكي” في عقيدة الحرب الإسرائيلية؛ حيث انتقل الثقل العسكري من “استنزاف غزة” التي لم تعد الطقس المعتاد للنيران إلى معركة “تصفية الحساب” مع الرأس الإيراني وأذرعه القوية في لبنان.
نحن لسنا أمام جبهات منفصلة، بل أمام “فوضى إقليمية شاملة” تهدف لكسر عظام النظام الإيراني وتغيير جغرافيا المنطقة عبر استراتيجية “قضم الأرض” و”حصاد الرؤوس” عسكرياً وسياسياً.
غزة.. “الهدوء النسبي” وقلق الجبهات الأخرى
يرى محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن ملف غزة بات “أقل صخباً” عسكرياً بالنسبة لإسرائيل عما كان عليه في العامين الماضيين، السبب ليس تراجع الرغبة في الحسم، بل “الانشغال الجبري” بجبهتي لبنان وإيران، وأن إسرائيل الآن توزع جهدها العسكري، واضعةً نصب أعينها هدفاً أكبر في الشمال: “المنطقة العازلة”.
لبنان واليمن.. بين “قضم الأرض” و”هدوء الاتفاقات“
بينما تنفذ إسرائيل استراتيجية “قضم الأراضي” وضرب الجسور والمنشآت في جنوب لبنان لتقليل تهديد صواريخ حزب الله وتوسيع الـ “Buffer Zone”، تبدو جبهة اليمن “خارج السرب” مؤقتاً.
ويكشف حامد لـ “القصة” أن اليمن يعيش حالة من “توقف الحرب” نتيجة اتفاق أبرمته الولايات المتحدة يضمن مرور السفن في مضيق باب المندب، وذلك قبل اندلاع المواجهات الأخيرة بين التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وإيران منذ نحو 37 يوماً.
المواجهة الكبرى.. هل اقترب سقوط “النظام الإيراني”؟
المشهد الآن يتجاوز حدود الاشتباكات التقليدية؛ فنحن أمام حالة “فوضى إقليمية” شاملة، وبحسب مدير منتدى شرق المتوسط، فإن إسرائيل والولايات المتحدة تركزان قوتهما الآن على “استنزاف” الداخل الإيراني، وضرب كافة نقاط القوة العسكرية والاقتصادية، في تمهيد استراتيجي لإسقاط النظام خلال السنوات المقبلة.
سيناريو التهدئة.. مفتاح “هرمز” والنووي
لا تلوح في الأفق بوادر تهدئة قريبة، إلا في حالة واحدة يحددها حامد: “اتفاق شامل بين واشنطن وطهران”، هذا الاتفاق لن يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يجب أن يتضمن: تأمين الملاحة في مضيق هرمز.
حسم مستقبل البرنامج النووي الإيراني
آلية واضحة لإنهاء الصراع، تتضمن الحديث مع دول الخليج حول “تعويضات مستقبلية” للأطراف المتضررة من هذه العمليات.
ويختتم حامد حديثه قائلاً: المنطقة لم تعد أمام حروب “بالوكالة” فقط، بل نحن في قلب “حرب استنزاف كبرى” تهدف لتغيير وجه الإقليم سياسياً وجغرافياً، بانتظار لحظة “التسوية الكبرى” أو الانفجار الشامل.
هدوء ما قبل الانفجار.. أم تسوية فوق الأشلاء؟
في نهاية المطاف، يبدو أن جغرافيا المنطقة لم تعد تسمع فيها أصوات المدافع وحدها، بل صرير أقلام ترسم حدوداً جديدة على جثث “الجبهات المفتوحة”، وبينما تنشغل إسرائيل بقضم أراضي الجنوب اللبناني واستنزاف النفس الإيراني الأخير، يبقى المواطن العربي من غزة إلى صنعاء عالقاً في “برزخ” الانتظار؛ بانتظار صفقة كبرى في غرف واشنطن وطهران المظلمة، أو انفجار شامل لا يبقي ولا يذر.