في يناير 2026، أُسدل الستار أخيرًا على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في ملف الهجرة واللجوء في أوروبا، بعد أن أسقطت السلطات القضائية اليونانية التهم الموجهة إلى السباحة السورية والناشطة الإنسانية سارة مارديني، التي واجهت منذ عام 2018 اتهامات خطيرة وصلت إلى حد “تشكيل منظمة إجرامية” و“تهريب البشر”.
سباحة سورية تتهم بالإتجار بالبشر في اليونان
لم تكن القضية تخص سارة وحدها، بل تحولت على مدار سنوات إلى رمز لصدام أوسع بين العمل الإنساني وسياسات الردع الأوروبية، وبين من يعتبر إنقاذ الأرواح واجبًا أخلاقيًا، ومن يراه خرقًا للقانون.
من داريا إلى بحر إيجة
وُلدت سارة مارديني عام 1995 في مدينة داريا بريف دمشق، في عائلة رياضية؛ فوالدها كان مدرب سباحة، ما جعل المسبح جزءًا مبكرًا من حياتها اليومية. لكن الحرب السورية قلبت مسار حياتها بالكامل. بعد تدمير منزل العائلة وتصاعد العنف، قررت سارة، برفقة شقيقتها يسرا، مغادرة سوريا في عام 2015، في رحلة لجوء محفوفة بالمخاطر نحو أوروبا.
أثناء عبور بحر إيجة من تركيا إلى جزيرة ليسفوس اليونانية، تعطل القارب المطاطي الذي كان يقل عشرات اللاجئين، في تلك اللحظة، قفزت سارة ويسرا، إلى جانب شخصين آخرين، في المياه الباردة، وسبحوا لساعات لسحب القارب إلى بر الأمان، وتلك كانت لحظة فارقة، ليس فقط في حياتهما، بل في السردية العالمية عن اللاجئين.
حيث تحوّلت سارة من ناجية إلى منقذة، وبعد وصولها إلى ألمانيا واستقرارها هناك، لم تكتفِ سارة بإعادة بناء حياتها الشخصية، بل عادت إلى جزيرة ليسفوس، هذه المرة كمتطوعة في فرق إنقاذ ومساعدات إنسانية، تعمل على استقبال القوارب، تقديم الإسعافات الأولية، ومساعدة اللاجئين فور وصولهم.
بالنسبة لسارة، كان الأمر بسيطًا: “أنا أعرف ماذا يعني أن تكون في هذا القارب”. لكن ما اعتبرته فعلًا إنسانيًا، رأت فيه السلطات اليونانية شبهة قانونية، وبدلًا من تقدير جهودها الإنسانية وما عانته في رحلتها، خضعت للمساءلة القانونية، في أغسطس 2018، ألقي القبض على سارة مارديني وعدد من المتطوعين، ووجهت إليهم اتهامات خطيرة، من بينها: تسهيل الهجرة غير النظامية، التجسس، والانتماء إلى منظمة إجرامية، وكلها اتهامات تصل عقوبتها المحتملة إلى عشرات السنين في السجن.
قضية تتجاوز شخصًا واحدًا
أثار الاعتقال صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية الدولية، إذ بدت سارة، التي سبق أن خاطرت بحياتها لإنقاذ لاجئين، متهمة الآن بالجريمة ذاتها التي كانت تحاول منعها: الموت في البحر.
تحولت قضية مارديني إلى واحدة من أشهر قضايا ما يُعرف بـ“تجريم التضامن” في أوروبا، واعتبرت منظمات حقوق الإنسان، مثل العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، القضية مثالًا صارخًا على استخدام القانون كأداة ردع ضد العمل الإنساني.
وعلى مدار سنوات المحاكمة، لم تُقدَّم أدلة تثبت أن سارة حققت أي مكسب مادي، أو شاركت في شبكات تهريب، ومع ذلك، ظل سيف الاتهام معلقًا فوق حياتها، مؤثرًا على مستقبلها النفسي والمهني.
على مدار سنوات، مثّل ما فعلته الشقيقتان فعلًا اسطوريًا لانقاذ أروح العشرات من اللاجئين في البحر، وبلغ حد الإلهام إلى صناع السينما العالمية، ففي عام 2022، أعادت منصة نتفليكس تسليط الضوء على قصة سارة وشقيقتها من خلال فيلم The Swimmers، الذي حقق انتشارًا عالميًا لكن المفارقة أن الفيلم الذي احتفى ببطولتهما، جاء بينما كانت سارة لا تزال تواجه محاكمة قد تسلبها حريتها.
وبينما طاف الفيلم المهرجانات الدولية، ونالت السباحتان شهرة عالمية، وجهّت انظار العالم لما عاناه ويعانيه اللاجئين حول العالم، ولد التناقض، حيث تداخلت السينما مع الواقع، وبرز التناقض الحاد بين الصورة التي يحتفي بها العالم، والواقع القانوني القاسي الذي تعيشه صاحبة القصة.
ظلّت سارة أسيرة خوف محقق يهدد حريتها لسنوات، حتّى تبددت تلك الغيمة، في يناير 2026، بعدما أعلنت المحكمة اليونانية إسقاط التهم الموجهة إلى سارة مارديني، بعد سنوات من المداولات، في قرار اعتبره محامو الدفاع انتصارًا للعدالة، وإن جاء متأخرًا، إسقاط القضية لا يعني فقط تبرئة سارة، بل يسلط الضوء على هشاشة الأساس القانوني الذي بُنيت عليه هذه الاتهامات من البداية، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا مريرًا: من يعوّض سنوات القلق، والضغط النفسي، والتشويه المعنوي؟
ما الذي تغيّر؟
رغم إسقاط القضية، لا يعني ذلك نهاية تجريم العمل الإنساني في أوروبا، فآلاف المتطوعين ما زالوا يعملون في مناطق حدودية تحت تهديد الملاحقة القانونية، لكن قضية سارة تظل علامة فارقة، لأنها كشفت للعالم كيف يمكن أن يتحول إنقاذ الأرواح إلى تهمة.
سارة نفسها أصبحت أكثر حذرًا، لكنها لم تتراجع عن موقفها الأخلاقي، في تصريحات سابقة، أكدت أن ما قامت به لم يكن بطولة، بل “تصرفًا طبيعيًا لأي إنسان يرى شخصًا يغرق”، لم تعد سارة مارديني مجرد سباحة سورية أو لاجئة سابقة، بل كشفت بفعلها البطولي هشاشة النظم الغربية، وزيف إدعاءات الإنسانية، وتحولت إلى ضمير حي يواجه نفاق العالم، ورمز لقصص اللجوء المعاصرة، شاهدة على تسييس الحدود، ومثال حي على الثمن الذي قد يدفعه من اختار العمل الإنساني.