بينما يقف العالم على أطراف أصابعه بانتظار “ساعة الصفر”، يخرج السفير معتز أحمدين خليل مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة ليخترق جدار الضجيج العسكري، كاشفاً عن “الشطرنج الخفي” بين واشنطن وطهران.
هل يجرؤ ترامب على مقامرة “التوغل البري”؟ ولماذا يعتبر “الفيتو” الروسي الصيني طوق النجاة الأخير؟ إليكم القراءة الكاملة لكواليس الصراع الذي لا يهدف للتهدئة.. بل لـ “تفكيك” الدول
الهدف الإستراتيجي.. هل هي حرب حدود أم حرب وجود؟
يضع السفير معتز أحمدين خليل يده على الجرح النازف في العلاقات الدولية حالياً، وهو أن الهدف المعلن تأمين الملاحة يختلف تماماً عن الهدف المضمر إسقاط الدولة.
إجماع دولي على “تغيير النظام”
يوضح السفير لـ”القصة” أن الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى القوى الأوروبية التي قد تبدو “هادئة” ظاهرياً، تتفق جميعاً على ضرورة إنهاء النظام الحالي في إيران، ويستشهد بموقف رئيس الاتحاد الأوروبي الذي قطع الشك باليقين قائلاً إن “أحداً لن يذرف دمعة” على رحيل هذا النظام هذا الإجماع نابع من شعور هذه القوى بأن طهران تجاوزت “الخطوط الحمراء” بالسيطرة الفعلية على مضيق هرمز وتهديد أمن دول الخليج.
ويطرح السفير تفريقاً جوهرياً فبينما يكتفي الغرب بتغيير “رأس النظام” أو سلوكه، يبدو أن إسرائيل تذهب إلى أقصى اليمين، حيث تهدف إلى تفكيك الدولة الإيرانية بالكامل وتحويلها إلى أشلاء جغرافية ضعيفة، لضمان عدم قيام قائمة لأي قوة إقليمية تنافسها لعقود قادمة لذا، فإن أي “هدنة” يتحدث عنها الإعلام هي في نظر السفير مجرد “مسكن موضعي” ولن تنهي الحرب، لأن أصل الصراع بقاء النظام أو زواله لم يحل بعد.
سيكولوجية “السمسار” وتكتيك المهل الزمنية
ينتقل السفير لتحليل شخصية اللاعب الأبرز، دونالد ترامب، واصفاً إياه بـ “السمسار” الذي يدير ملفات الأمن القومي بعقلية “الصفقة”.
لعبة المماطلة والضغط، يرى السفير أن ترامب استخدم سلاح “المهلة” أكثر من أربع مرات منذ بداية الأزمة. هذا التردد ليس ضعفاً عسكرياً بقدر ما هو رغبة في “زيادة الضغط على الزبون” إيران لانتزاع تنازلات مجحفة دون إطلاق رصاصة واحدة. ترامب يريد “الانتصار الكامل” بأقل تكلفة ممكنة، لكنه في الوقت ذاته يعاني من “إغراء القوة” فنجاح عملية استعادة الملاحين الأمريكيين مؤخراً قد منحه شعوراً زائفاً بسهولة المهمة، مما قد يدفعه لارتكاب حماقة “التوغل البري”.
عقدة الـ 47 عاماً، يشير السفير إلى أن خطاب ترامب يركز على سردية “فشل النظام الإيراني” طوال عقوده الأربعة، وهي لغة تستهدف تهيئة الرأي العام لتقبل فكرة النهاية الوشيكة، لكن السفير يحذر من أن الحروب البرية لا تُربح بالشعارات، وترامب ينتظر اكتمال وصول قواته قبل أن يقرر هل يضغط على الزناد أم يكتفي بالتهديد.
“الفيتو” الروسي الصيني.. الصاعقة التي أربكت واشنطن
في نقطة تحول دراماتيكية، يتوقف السفير عند الموقف الروسي والصيني في مجلس الأمن، معترفاً بمفاجأته الشخصية من هذا الصمود.
كسر نمط الامتناع، اعتادت القوى الكبرى روسيا والصين في ملفات سابقة مثل غزة على “الامتناع عن التصويت” لتجنب الصدام المباشر، لكن هذه المرة كان “الفيتو” صريحاً وقوياً، يرى السفير أن هذا الموقف حرم ترامب من “الغطاء القانوني الدولي”، لو حصل ترامب على قرار أممي بفتح المضيق، لكان قد استباح إيران تحت ذكيعة “تنفيذ الشرعية الدولية”، لكن الآن، أي ضربة أمريكية ستعتبر “عدواناً منفردًا” خارج إطار القانون، وهو ما يجعل واشنطن تفكر مرتين.
توازن الرعب الدولي، هذا التداخل الروسي الصيني أعاد للمجلس هيبته كساحة صراع حقيقية، وجعل ترامب يدرك أن العالم لم يعد “أحادي القطب”، وأن المضي في تدمير إيران قد يشعل مواجهة مع قوى نووية أخرى.
“القنبلة النووية الاقتصادية” وسلاح المضايق
وفي عمق تحليل رؤية السفير، حيث يعيد تعريف القوة الإيرانية بعيداً عن الصواريخ الباليستية يقول:
الخميني والفتوى النووية، يذكرنا السفير بأن إيران، منذ عهد الخميني وصولاً لخامنئي، لديها فتوى دينية تمنع امتلاك السلاح النووي العسكري لكن، وبذكاء إستراتيجي، استعاضت إيران عن “اليورانيوم المنضب” بـ “الجغرافيا الخانقة”.
هرمز وباب المندب، ويصف السفير سيطرة إيران على هذه الممرات بأنها “القنبلة النووية الاقتصادية الثانية”. إنها القدرة على شل الاقتصاد العالمي بضغطة زر لذا، يتساءل السفير: “كيف تطلب واشنطن من إيران فتح المضيق بالكامل كشرط للهدنة؟” الإجابة هي أن إيران لن تقبل أبداً بتجريد نفسها من “مخالبها” الوحيدة، ففتح المضيق يعني فقدان ورقة الضغط الكبرى، وإذا فتح مرة، فلن تستطيع إيران إغلاقه مجدداً أمام الأساطيل الأمريكية التي ستتمركز فيه فوراً.
سيناريوهات الهدنة.. “الخداع المتبادل”
عن احتمالات قبول إيران للهدنة والشروط المطروحة، يرسم السفير سيناريو يتسم بـ “الدبلوماسية الالتفافية”:
شروط طهران التعجيزية، إيران لن تقبل بهدنة “مؤقتة” تسمح لأمريكا بإعادة التموضع، بل تطلب “وقفاً كاملاً للحرب”، وتعويضات مالية ضخمة، ونظاماً ملاحياً جديداً يضمن حقوقها في المضيق.
لعبة “الأعلام المستعارة”، وهنا يطرح السفير حلاً وسطاً قد تلجأ إليه الأطراف لتجنب الانفجار: وهو أن تسمح إيران بمرور السفن التي ترفع أعلام دول وسيطة أو “صديقة” مثل باكستان أو عمان، بحيث “تتغافل” إيران عن هذه السفن وتتركها تمر، مما يعطي انطباعاً بانفراجة ملاحية دون أن تعلن إيران رسمياً خضوعها لمطالب ترامب.
استمرار الضرب تحت غطاء الهدنة، يحذر السفير من سيناريو غاية في الخطورة، وهو أن يتم الاتفاق على “هدنة” سياسية، بينما يستمر القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي بالوتيرة الحالية. أي “هدنة مع استمرار الضرب”، وهو خيار قد تضطر إيران لمجاراته فقط لمط الوقت وكسب أيام إضافية في صراع النفس الطويل.
التحرك الإسرائيلي.. “الهروب للأمام”
لا يغفل السفير الدور الإسرائيلي الذي يراه “محركاً للفتنة” حتى في ظل وجود ترامب فإسرائيل تخشى من “تراجع” ترامب في اللحظات الأخيرة أو قبوله بصفقة لا تنهي الوجود الإيراني لذا، بدأت إسرائيل بالفعل بضرب أهداف مدنية وإستراتيجية محطات طاقة، مخازن وقود، وحتى مدارس ومعاهد مثل معهد باستر في طهران لتفرض واقعاً ميدانياً يصعب على ترامب العودة عنه.
لمن ستكون الغلبة في “ساعة الحقيقة”؟
ينهي السفير معتز أحمدين خليل قراءته بنبرة يمتزج فيها التفاؤل الحذر بالواقعية المفرطة، فبينما يرى أن “صوت العقل” يقتضي قبول ترامب بانتصار استعادة الطيارين وقبول إيران بانتصار “الفيتو” والتوصل لهدنة تحفظ الدماء، إلا أن المعطيات على الأرض تشير إلى عكس ذلك.
إننا أمام مواجهة بين عقلية “الصفقة” التي يمثلها ترامب، وعقلية “البقاء” التي تمثلها طهران إيران تدرك أن التنازل عن مضيق هرمز هو انتحار سياسي، وترامب يدرك أن التراجع دون “تغيير النظام” هو انتحار انتخابي وفي ظل هذا الانسداد، يبقى “الخيار البري” شبحاً يطارد المنطقة، وتبقى “القنبلة الاقتصادية” هي الورقة الأخيرة التي قد تحرق الجميع إذا ما قرر أحدهم تجاوز نقطة العودة.