محمد مصطفى موسى
يرد في معاجم العربية الفصيحة أن الدجاجة قَدْقَدتِ، أي أصدرت صوتها المعروف، وبالمحكية المصرية “تكاكي”، وهذه على الأغلب مشتقة من اللغة المصرية القديمة، فتركيبها الصوتي يؤيد ذلك، فكثيرٌ من الألفاظ التي نطقها أسلافنا كانت تعتمد على التكرار الصوتي، مثل “كركر وسخسخ” أي قهقه، و”بُعبُع” بمعنى روح شريرة، و”بربر” التي تعني التفوه بكلام غير مفهوم.
وليس مستبعدًا أن الكلمة القديمة انتقلت إلى القبطية التي تنطقها “تكا” ثم عبرت الأزمان فأضيف لها الرمز الصوتي “كي” لسبب غير معلوم، لتغدو بعدئذٍ “تكاكي”.
على أي حال، وبغض النظر عن الأصل اللغوي، فقد كانت الدجاجة ذات رمزية معنوية في الحضارة المصرية القديمة، واستخدمت في نقوش الهيروغليفية التي صوَّرت الحياة الأسرية، ذلك أنها الكائنات التي تتفاني في رعاية صغارها “الأفراخ”، وكذلك في النقوش التي تناولت الحياة الآخرة بعد الموت باعتبارها من الأطعمة الطيبة التي يحظى بها الموتى الذين يرضى عنها الإله “ماعت”.
لكن الدجاجة لم تحظ بالتقديس البتة، على عكس الديك الذي اعتبره أسلافنا رمز النور والإشراق وطارد الأرواح الشريرة، وفي ذلك ميل إلى الثقافة الذكورية التي تُغضب “الفيمنيست” ممن لا يعجبهن العجب ولا الصيام في رجب.
في ثقافات أخرى تعد الدجاجة رمزًا للجبن وضعف العزيمة، فالباكستاني إذا وصف رعديدًا قال إن قلبه كقلب الدجاج، ويطلق هذه العبارة غالبًا لذم الهنود الذين يعتبرونه بدورهم كبشًا قوي الجسد هزيل العقل، وهي مفارقة مثيرة بين مواطني بلد كان واحدًا قبل أن ينقسم إلى بلدين متخاصمين تشب بينهما الحروب من آن لآخر.
أما الشعر العربي فنادرًا ما اهتم بالدجاج إلا في سياق الذم والهجاء، ومنه مقولة ابن الرومي: “أتَتْهُمُ توبيخي فلم يتثبتوا له/ وثباتُهم مثلُ الدجاجِ إذا ندا”، وتفسيره أن هجائي لهم قد بلغهم فلما سمعوه اضطربوا وتفرقوا مثل الدجاج الخائف الذي لا يثبت في مكانه.
وفي هذه يبدو أن الثقافة العربية اتفقت مع الباكستانية في نعت الدجاجة بالجبن، على خلاف الديك مرةً ثانية الذي يوصف بالشدة، كما ارتأى نزار قباني في قصيدته التي استخدم فيها الديك رمزًا للأنظمة الديكتاتورية: “في حارتنا ديكٌ ساديٌّ سفَّاحْ/ ينتفُ ريشَ دجاجِ الحارةِ كلَّ صباحْ”.
كانت تلك القصيدة من أبدع ما كتب في النقد السياسي، قصيدة حارقة النبرة مضطرمة المعاني، وإن لم تخل من سخرية تستدر الضحك لكنه ضحك كالبكاء.
وأغلب الظن أن الشاعر الراحل لو كان بين ظهرانيينا اليوم، وشاء حظه أن يكون من المقيمين في “الجمهورية الجديدة”، لفكر ألف مرة قبل كتابتها كيلا يجد نفسه متهمًا بالإساءة إلى تقاليد “العشة المصرية”.
هذه تهمة خطيرة إلى درجة أن مرتكبها قد يجد قوات الأمن تداهم بيته فتقتاده إلى غيابات السجون، كما حدث للزميل أحمد رفعت رئيس تحرير موقع “إيجبتك”، ورئيس مجلس إدارة الموقع.
الظاهر أن الهزل بلغ مبلغًا غير مسبوق، وليس عقلانيًا أن نتعامل مع الهزل بجدية، ومن الهزل بالقطع أن تلقي الشرطة القبض على رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة موقع إلكتروني بناء على بلاغ من غرفة الدواجن يتهم الموقع بنشر خبر كاذب يتعلق بوجود دجاج فاسد بالأسواق.
والأكثر هزلًا أن يحدث ذلك دون إخطار نقابة الصحفيين، بما يخالف القانون الذي يقضي بضرورة الإخطار، كما يقضي بعدم حبس الصحفي في قضية نشر، ما لم يصدر حكم قضائي.. لكن ماذا نقول وهل من قولٍ يُقال بعد كل ما قد قيل؟
يتحدث المسؤولون عن حرية التعبير، فيرددون ويتفيقهون ويتشدقون ويطنطنون بأن سقف الحرية في مصر مفتوح على البحري، شريطةً أن يتوخى الصحفي الحقيقة، ويدفعون بأن التقارير الحقوقية الدولية التي تضع مصر في مؤخرة الدول بهذا الصدد، محض أكاذيب مفتراة، ومن أفاعيل أهل الشر الذي يكيدون كيدًا، لكنهم على أرض الواقع يدوسون على الصحافة بأقدامهم، وينتهكون الكلمة بمنتهى الفظاظة والغلظة.
يراد أن تغدو الصحافة دجاجة مذعورة تفر من الذبح طوال الوقت.
يراد أن يُودع الصحفيون في “عشة الخوف” طوال الوقت.
ليست هذه الواقعة الأولى، بل إنه منهج متكرر، ومشهد لزج رتيب.. بل كابوس يجثم على أنفاسنا ويوقظنا على شفا أزمة قلبية.
ما هذا العبث؟
لا توجد مفردة أخرى تعبر عن الحضيض الذي بلغته حرية الصحافة في مصر.
حوار وطني يُرَّوج إلى أنه سيفضي إلى تغيير أو حتى سيثقب ثقبًا صغيرًا في جدار التكميم والإخراس السميك، فينتهي إلى قبض رياح ولا يبقى منه إلا “جعجة” بلا طحين.
وعود تخرج من رحم وعود، بانفتاح على الرأي الآخر، ولم يعد ثمة رأي أول ولا آخر.
صحفيون تجاوزوا فترات الحبس الاحتياطي، ونقابة تناشد وتسأل وتطلب وتفاوض وكأنها ترفع الآذان في مالطة.
حتى “القدقدة” لم تعد مقبولة، والظاهر أن علينا أن نكتفي بـ”النقنقة”، وهي كما يقول المعجم صوت الدجاج الخافت الذي لا يكاد يُسمع، وإن كانت النقنقة بدورها ليست مأمونة العواقب، وقد تنتهي بإيداع الصحفي في القفص أو بما يناسب واقع الحال “في التقفيصة”.