خرجنا إلى الثورة، تفرّقت بيننا السبل والمصالح والأفكار، انجرفنا وراء أوهام أو نزوات أو شهواتنا، المهم أننا تفرّقنا، ثم انهزمنا، انهزمت الثورة بكل ما كانت تطالب به: لا حرية، لا عدالة، لا كرامة إنسانية، ولا عيش.
نقطة ومن أول السطر.
اليوم، وبعد مرور خمسة عشر عامًا وأكثر على تلك الثورة، على لحظات النصر والهزيمة معًا، بتنا في وضع مغاير، لا إقليميًا فحسب، بل على مستوى المنطقة والعالم.
وأنا على يقين تام بأن كل شخص وطني حقيقي، محبٍّ حقيقي لمصر، مهما كان موقعه، سواء أكان رجل أمن أو دولة، أو وزيرًا، أو رئيس مجلس إدارة لشركة، أو رجل أعمال أو معارض أو عامل بسيط أو صحفي، يُدرك في قرارة نفسه أن نجاتنا جميعًا ونجاة الوطن مرتبطتان باستقرار هذا النظام، وأننا بقينا، شئنا أم أبينا، في مركب واحد.
وأنا على يقين تام كذلك بأن أحمد دومة يحمل القناعة ذاتها، وأنه يكتب وينشر من الدوافع نفسها. بطبيعة الحال، هو وأنا وسوانا نحمل غضباً عميقًا وألمًا من الظلم والتعذيب الذي طال كثيرين منّا.
غير أن ثمة أفرادًا كثيرين داخل النظام يحملون بدورهم غضبًا وألمًا، بسبب خسارة شخصية أو تحميل جماعي للمسؤولية أو جرح في الكبرياء أو فقدان عزيز سقط في عملية إرهابية، مشاعر سلبية مكبوتة تتراكم في صدور كثيرين من كل الأطراف.
وللتذكير، الإرهاب في أبسط تعريفاته هو الخوف نفسه. حين يفقد الناس إحساسهم بالأمان، حين يصبح الترقب حالةً دائمة لا استثناءً، فهذا هو الإرهاب بعينه، قبل أي فعل وبعده. مجتمع يعيش في خوف مزمن هو مجتمع مُنهك، ودولة تقوم على الخوف لا تقوم طويلاً.
لن أُطيل في هذه النقطة، ما أودّ إيصاله هو أن الجميع، من منطلق المصلحة العامة ومصلحة كل وطني حقيقي، معنيٌّ باستقرار النظام القائم والحفاظ عليه.
بيد أن هذه الحقيقة مسؤولية مشتركة، فليست مسؤولية المواطن والمعارض وحدهما أن يصمتا ويتحمّلا ويُجمّلا ويكفّا عن التعليق.
هذا الصمت القسري لن يصون الاستقرار، بل سيُفضي إلى هدوء ظاهري يُضاعف الحريق الداخلي، ليأتي انفجاره أعنف من أي محاولة احتواء أمني. الصمت ليس سلاماً. الصمت المفروض تراكم.
الحفاظ على استقرار النظام مسؤولية النظام نفسه في المقام الأول: أن يضبط أي نزعات انتقامية لدى أفراده، وأن يُخفف الأعباء عن كاهل الناس، وأن يُصلح ما يقبل الإصلاح، وأن يُحاسب الفاسدين في داخله. هذا هو معنى الوطنية الحقيقية لمن يريد فعلاً أن يحافظ على الوطن واستقرار نظامه. الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل فعل يُمارَس.
إن اعتقال أمثال أحمد دومة والتنكيل بهم لن يُنتج سوى مزيد من الفرقة والكراهية وردود الفعل الغاضبة العشوائية، وجفاءً أشد وأعمق مما يطيق أي طرف احتمال تبعاته. لا أحد يكسب من هذه المعادلة. لا أحد على الإطلاق.
أطلقوا سراح دومة.
أطلقوا سراحنا جميعًا.