في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بمنطقتنا العربية يقف المشهد السوري كأحد أكثر المشاهد تعقيداً وتركيباً ليس فقط بوصفه أزمة سياسية أو إنسانية بل لأنه مختبر حقيقي لقراءة طبيعة العلاقات الإقليمية المتشابكة، وكاشفاً عن الأعماق الخفية للتحالفات والصراعات التي تمتد جذورها لعقود عندما نقف اليوم أمام هذا المشهد ندرك أن ما جرى في سوريا لم يكن مجرد صراع على سلطة في بلد عربي بل كان جزءاً من معادلة إقليمية أوسع وضعت إيران نفسها في قلبها وربما في مأزقها الأعمق.
لا شك أن القرار الإيراني بدعم نظام بشار الأسد كان بمثابة انخراط استراتيجي عميق تجاوز في تكلفته حدود ما كان متوقعاً وتحول مع مرور السنوات من مشروع توسع نفوذ إلى ما يشبه الورطة الاستراتيجية التي تستنزف صاحبها وتعيد إنتاج أزماته على نحو أكثر تعقيداً.
إيران في سوريا: من مشروع النفوذ إلى استنزاف الحضور
ما بدأ كامتداد طبيعي للنفوذ الإيراني في العمق العربي مستفيداً من فراغ إقليمي وحاجة النظام السوري إلى داعم استراتيجي في لحظة ضعف تحول مع تراكم السنوات إلى عبء ثقيل على كاهل طهران فالدعم اللامحدود للنظام السوري السابق كلف إيران الكثير على عدة مستويات متداخلة، على المستوى السياسي وجدت طهران نفسها في مواجهة مباشرة مع الإرادة الشعبية العربية التي خرجت تطالب بالتغيير في أكثر من بلد مما وضعها في موقع المدافع عن أنظمة فقدت شرعيتها الشعبية وباتت تلتصق بها صورة وصي الهوامش على حساب قاطرة التغيير التي حاولت تسويقها في مرحلة سابقة، هذا الموقع جعل إيران تبدو وكأنها تضرب بيد على ثورات الربيع العربي بينما ترفع بيد أخرى شعارات مذهبية لم تعد تستوعب تحولات الشارع العربي.
أما على المستوى الأخلاقي فالأمر أكثر إيلاماً لقد باتت صور الدمار والمجازر والمعاناة الإنسانية في سوريا مرتبطة في الذهنية العربية بمن قدموا الدعم المطلق لهذا النظام وتجسدت تلك الصور في مدن محاصرة وأطفال قتلى تحت الأنقاض وتهجير وبات السؤال الذي يلاحق طهران في كل محفل عربي كيف يمكن التوفيق بين خطاب المقاومة ودعم نظام يستخدم البراميل المتفجرة ضد شعبه؟
ولكن الأكثر عمقاً من ذلك كله هو أن هذا الخيار الاستراتيجي استنزف موارد إيران البشرية والاقتصادية في حرب بالوكالة جعلت من الأراضي السورية ساحة لتدريب الميليشيات وتجريب الأسلحة وهو ما انعكس سلباً على صورة إيران في المنطقة وحولها من قوة إقليمية صاعدة إلى طرف في صراعات داخلية معقدة لا تحتمل حلاً عسكرياً خالصاً.
التأطير المذهبي للصراعات
ولعل المشكلة الأعمق التي تتجاوز الملف السوري إلى نمط إدارة الصراعات ذاتها تكمن في الأداة التي طورتها إيران على مدى عقود وتحويل الصراعات السياسية إلى صراعات ذات صبغة مذهبية هذه الأداة كانت فعالة في مرحلة بناء النفوذ لكنها أثبتت خطورتها الاستراتيجية على المدى البعيد.
في العراق تحول النفوذ الإيراني من دعم سياسي لحلفائها إلى هيمنة عبر هياكل طائفية أعادت إنتاج هويات منغلقة وجعلت الولاء للطائفة يتجاوز الولاء للوطن والأمة لقد وجد العراق نفسه أسير معادلة صعبة إما الخضوع لنفوذ إقليمي يتحدث باسم المذهب أو الانزلاق إلى فراغ أمني لا تستطيع مؤسساته الوطنية ملأه وفي كلا الحالتين كانت فكرة المواطنة المتساوية هي الضحية الأكبر.
وفي لبنان صار حزب الله أكثر من مجرد مقاومة ليصبح دولة داخل دولة مع احتفاظه بقدرته على جر البلاد إلى مواجهات لا تحسب نتائجها بدقة وتحول حزب الله من قوة مقاومة للاحتلال إلى لاعب أساسي في الصراعات الإقليمية مما وضع اللبنانيين أمام معادلة صعبة والانجرار وراء خيارات إقليمية لا يتحكمون بها أو مواجهة أزمات داخلية لا تنتهي.
أما في اليمن فقد تحول الصراع السياسي إلى حرب بالوكالة عمقت المعاناة الإنسانية وجعلت من بلد كان يعاني أصلاً من الفقر والصراعات الداخلية ساحة لتصفية حسابات إقليمية بينما يدفع المواطن اليمني الثمن الأكبر في صمت دولي مريب.
ربما يكون الثمن الأكبر لهذه السياسات هو ما حدث للنسيج العربي الإسلامي وتفتيت الأمة فالأمة التي كانت تحلم بتجاوز خلافاتها نحو مشروع نهضوي جامع وجدت نفسها منشغلة بصراعات هوياتية لا تنتهي تستهلك طاقاتها وتشتت جهودها، والمفارقة الأكثر إيلاماً أن المشروع الإيراني الذي يرفع شعار وحدة الأمة أنتج عملياً واقعاً مضاداً ومجتمعات عربية منقسمة على نفسها تستنزف طاقاتها في صراعات جانبية بينما تتراجع القضايا الكبرى وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
سوريا وحدها كانت كافية لاستيعاب كل هذه التناقضات قوى عربية وإقليمية تتصارع بالوكالة على أرض عربية بينما يدفع المواطنون السوريون الثمن الأكبر وتحولت سوريا من بلد كان يوماً قلب العروبة النابض إلى ساحة مفتوحة للتجارب الإقليمية والدولية وبات السوري لاجئاً في وطنه أو خارجه حاملاً هموم أمة تاهت في متاهات الصراعات الجانبية.
المصلحة بين المفهوم الضيق والرؤية الشاملة
في خضم هذه العواصف تبرز أسئلة جوهرية تتطلب وقفة تأمل عميقة ما هي المصالح الحقيقية التي نسعى إليها؟ وهل ما نعتقد أنه يحقق مصالحنا هو بالفعل كذلك على المدى البعيد؟ هذه الأسئلة ليست مجرد استفهامات عابرة بل هي مفاتيح لفهم أعمق لإشكاليات العلاقات الإقليمية في عالمنا العربي والإسلامي.
لطالما استخدم مفهوم المصلحة في الخطاب السياسي العربي والإقليمي بشكل انتقائي بل أحياناً بشكل مغلوط فالمصلحة الحقيقية ليست مجرد مكاسب آنية تتحقق على حساب الآخرين ولا هي تفوق مؤقت يُبنى على أنقاض الاستقرار الإقليمي المصلحة بالمعنى العميق هي تلك التي تستطيع أن تصمد أمام اختبار الزمن وتحقق الرفاه والاستقرار لأكبر عدد من الناس في المدى الطويل، والخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه العديد من القوى الإقليمية هو اختزال المصلحة في معادلة صفرية ما أكسبه أنت تخسره وهذه الرؤية أنتجت واقعاً إقليمياً ممزقاً وتحولت فيه الدول إلى ساحات للصراعات بالوكالة وأصبحت الشعوب هي الثمن الذي يُدفع في صفقات لا تنتهي.
ومن أبرز تجليات الفهم الضيق للمصالح هو منطق المحاور الذي هيمن على العقل السياسي الإقليمي لعقود هذا المنطق يقوم على فكرة أن القوة تتحقق عبر التجمع ضد الآخر وأن التحالفات الدائمة غير ممكنة إلا في إطار العداء المشترك لكن تأمل التاريخ القريب يخبرنا أن المحاور الإقليمية كانت أكثر هشاشة مما تبدو فهي تبنى على حسابات لحظية وتتغير بتغير القيادات والمصالح الآنية، والأخطر أنها تستنزف الموارد في سباق تسلح عقيم وتحول المنطقة إلى ساحة تجارب للنزاعات التي لا ينتصر فيها أحد.
لقد أثبتت التجارب أن المحاور القائمة على أساس مذهبي أو إيديولوجي ضيق لا تصمد طويلاً لأنها تتعارض مع التعددية الطبيعية للمجتمعات وتفرض وصاية غير مقبولة على قرارات الدول المستقلة وبدلاً من أن تكون هذه المحاور مصدر قوة لأعضائها تتحول إلى أداة لجرهم إلى صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
نحو شراكات إقليمية حقيقية من الاستقطاب إلى التكامل
بناء شراكات إقليمية حقيقية هي بداية الانتقال من منطق الاستقطاب إلى منطق التكامل فالشراكات الحقيقية تقوم على عدة أسس أولها المصالح المتبادلة بمعنى أن تكون المنفعة متبادلة وملموسة لجميع الأطراف وليس لطرف على حساب آخر فالتجارة البينية والمشروعات المشتركة والتعاون في مجالات الطاقة والمياه والأمن الغذائي كلها أمثلة على مصالح يمكن أن تجمع بدلاً من أن تفرق.
وثانيها احترام الخصوصيات فالتعددية المذهبية والثقافية في المنطقة ليست عائقاً أمام التعاون بل يمكن أن تكون مصدر إثراء إذا أُحسن التعامل معها فالشراكة الحقيقية تعترف بأن لكل دولة خصوصيتها واستقلالية قرارها مع إيمانها بأن التحديات المشتركة تتطلب استجابات مشتركة.
وثالثها الاستدامة أي أن تكون العلاقات مبنية على أسس متينة لا تتأثر بتقلبات السياسة الداخلية أو تغير القيادات وهذا يتطلب مؤسسات إقليمية فاعلة وآليات للتشاور وحل الخلافات ورؤية طويلة المدى تتجاوز حسابات الربح والخسارة الآنية.
إن الأمة العربية والإسلامية ليست بحاجة إلى مزيد من التفتيت بل إلى مشروع جامع يعيد لها توازنها ويجعل من تنوعها قوة لا نقطة ضعف وهذه العبارة تلامس جوهر الأزمة الحضارية التي نعيشها فالتفتيت الذي نشهده ليس مجرد انقسام سياسي بل هو تفتيت للهوية الجامعة وللروابط التاريخية والثقافية التي كانت تجمع هذه الأمة وعندما تضعف الهوية الجامعة تحل محلها هويات جزئية متصارعة مذهبية، عرقية، قبلية وهذا هو أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة تبحث عن مكان لها في عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى.
المشروع الجامع المطلوب ليس مشروعاً سياسياً بالمعنى التقليدي ولا هو دعوة إلى الوحدة الاندماجية التي أثبتت التجارب صعوبتها بل هو مشروع يقوم على إعادة اكتشاف القواسم المشتركة اللغة، التاريخ، المصير، القيم، المصالح وهو مشروع يبدأ من الاعتراف بالتنوع كأساس للغنى وليس كسبب للصراع.
ربما يكون التحدي الأكبر في طريق إعادة تعريف المصالح هو غياب الرؤية والقادة القادرين على تجاوز المنطق القديم فمن السهل على أي قائد أن يستثمر في الانقسامات وأن يوظف الخطاب الطائفي لتحقيق مكاسب سريعة لكن الأصعب والأبقى هو ذلك القائد الذي يجرؤ على تقديم رؤية جامعة ويدفع ثمن هذا الخيار في المدى القصير انتظاراً لثماره في المدى البعيد.
اللحظة التاريخية الراهنة بكل ما تحمله من تحديات تضع المنطقة أمام مفترق طرق إما الاستمرار في منطق المحاور الذي أثبت فشله وإما الشجاعة على بناء شراكات إقليمية حقيقية قادرة على مواجهة التحديات المشتركة وفي مقدمتها التبعية والهيمنة الخارجية.
اليوم وبعد كل هذه السنوات من الصراعات المكلفة تجد المنطقة نفسها أمام مراجعات ضرورية فاستمرار تأطير الصراعات في قوالب مذهبية لم يعد يخدم أحداً ولا يمكن أن يكون أساساً لعلاقات مستقبلية في منطقة تبحث عن الاستقرار كما أن تجربة سوريا أكدت أن الدعم المطلق مهما كانت مبرراته قد يتحول إلى ورطة استراتيجية تستنزف صاحبها وترهقه.
حان الوقت لإعادة التفكير في مفهوم المصالح ذاتها وهل هي في تعميق الانقسامات أم في تجاوزها؟ هل هي في استمرار منطق المحاور أم في بناء شراكات إقليمية حقيقية؟ أسئلة باتت ملحة ليس فقط لإيران بل لكل القوى الإقليمية التي وجدت نفسها متورطة في صراعات لم تحقق لها إلا مكاسب مؤقتة على حساب الاستقرار الدائم.
إن المصالح الحقيقية لمنطقتنا في هذه اللحظة المفصلية من تاريخها ليست في سباق التسلح ولا في الصراعات بالوكالة ولا في تعميق الانقسامات المذهبية هي في الوحدة لمواجهة العدو الأكبر للأمة الذي يريدها خاضعة لهيمنته وتحقيق حلمه الأبدي من النيل للفرات والاستقرار الذي يسمح بالتنمية وفي التعاون الذي يضاعف القوى وفي رؤية جامعة تعيد للأمة دورها الحضاري الذي غاب طويلاً وهذا هو التحدي الأكبر والأمل الوحيد لمستقبل أفضل والقادر وحده على تحقيق الانتصار الحقيقي على كل أشكال الهيمنة والاستبداد بما فيها الهيمنة الأمريكية والصهيونية التي تستفيد من تشرذمنا وضعفنا.