في الماضي القريب، كان مجرد ذكر المنتخب الوطني في أحد المنصات الإعلامية الرياضية، ورحلة الصعود إلى كأس العالم يحظى باهتمام الملايين، لكن هذه المرة بدا المشهد مختلفًا، لا أضواء صاخبة، لا أعلام في الشرفات، ولا مَسيرات جماهيرية كما اعتدنا، فقط منشورات متفرقة على مواقع التواصل الاجتماعي، واحتفال هادئ أقرب إلى المجاملة.
أصوات الجماهير الخافتة
يقول أحمد علي أحد لاعبي كرة القدم: لم تَعُد كرة القدم كما كانت في السابق، خاصة بعد الإخفاقات المتتالية على مستوى المنتخبات الوطنية للفئات العُمرية المختلفة.
ويضيف: تلك الإخفاقات المتكررة جعلت الجمهور في حالة أشبه بفقدان الشغف من ناحية تشجيع المنتخبات المصرية، سواء المنتخب الأول أو الناشئين.
نشوة الصعود والحياة اليومية
يضيف هاني أبو الخير صاحب مقهى: “بالطبع للصعود نشوة والفوز بيكون له طعم مختلف، ولكن الأوضاع السياسية والاقتصادية في الفترات الأخيرة أصبحت بلا شك تؤثر على مزاج المصريين، فالناس أصبحوا مُثَقلين بالتفكير في لقمة العيش وكيفية الحصول عليها في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها غالبية الشعب في الفترة الأخيرة، كما أصبح رجل الشارع يفكر في ما الفائدة التي ستعود عليه من فوز نادٍ أو منتخب في مباراة لكرة القدم؟”.
لماذا غابت الفرحة؟
صرحت بسمة سليم خبيرة علم النفس والاجتماع لـ “القصة”: “الفرحة تحتاج إلى مجهود، والناس أصبح لديها ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية، وتلك الأسباب كفيلة بفُقدان الشغف تجاه المنتخب الوطني والكرة بشكل عام”، مشيرة إلى “أن الضغوط المعيشية جعلت الجهاز العصبي في حالة من التوتر، المخ أصبح مشغولا بالأمان أكتر من متعة لحظية مرتبطة بكرة القدم، الناس أصبح شغلهم الشاغل هو لقمة العيش”.
وقالت: “إن الجماهير أصبحوا يحتفلون بعدد لايكات المنشور أكثر من احتفالهم بالمناسبة، مما جعل الفرحة تفقد رونقها الإنساني”.
عندما يُصبح الإنجاز مألوفًا
يرى عبد الحميد زيد الخبير بالشؤون السياسية، أن ظروف التأهل لكأس العالم قد تغيرت بشكل كبير؛ ففي السابق، كان عدد المنتخبات الإفريقية المتأهلة قليلًا (5 فقط)، مما أدى إلى تنافس شديد بين منتخبات قوية مثل الكاميرون وغانا ونيجيريا والمغرب، أما الآن، فقد زاد عدد المنتخبات الإفريقية المتأهلة إلى 10 منتخبات، وأصبحت الفرق الكبرى على رؤوس المجموعات، مما يسهل عملية التأهل بشكل كبير.
ويضيف “زيد” أن هذا التغيير بالإضافة إلى زيادة عدد المحترفين، جعل التأهل أمرًا طبيعياً وغير مستحيل، وليس حدثا استثنائيا كما كان من قبل، مع الإشارة إلى أن إقصاء الكاميرون في إحدى المجموعات كان مفاجأة وحيدة.
ويؤكد أن الأهمية الحقيقية تكمن في تحقيق نتائج جيدة داخل كأس العالم، وليس مجرد التأهل، متصورا أن الوصول إلى دور الستة عشر أو ربع النهائي، أو حتى الفوز على منتخبات كبيرة مثل البرازيل أو ألمانيا قد يُعيد الشغف الجماهيري مرة أخرى.
إثارة حماس الجماهير مرة أخرى
كما نوه بأن ما سيثير حماس الجماهير ويجعلها تخرج للاحتفال مرة أخرى، على عكس التأهل الذي أصبح أمرا متوقعا في ظل الشروط الحالية، هو تحقيق نتائج إيجابية في البطولة والوصول إلى أدوار متقدمة حيث ستجد الجماهير في هذا الأمر إنجازا غير اعتيادي.
الظروف الاقتصادية
ورفض “زيد” فكرة أن الظروف الاقتصادية لها تأثير على اهتمام الناس بكرة القدم، ويستدل على ذلك بحضور الجماهير الكثيف لمباريات الأهلي والزمالك، وحتى امتلاء الملاعب عند لعب أي مباراة مصيرية.
كما أوضح أن كرة القدم بالنسبة للمصريين هي حالة الترفيه الوحيدة التي تسحبهم من ضغوط الحياة، وأن معظم النقاشات في المقاهي تدور حول الأهلي والزمالك، مما يؤكد أن الوضع الاقتصادي لا يقلل من هذا الشغف.