لم يعد الحديث عن انتحار الشباب في مصر مجرد حوادث فردية متفرقة، بل أصبحت قضية تثير القلق والتساؤل داخل المجتمع، خاصة مع تكرار مثل هذه الوقائع وتداولها عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
وبسبب ضغوط الحياة المتزايدة، والتحديات النفسية والاجتماعية، يقف كثير من الشباب في مواجهة أزمات قد تفوق قدرتهم على التحمل، تجعلهم يقبلون على الانتحار، ومن هنا يبرز سؤال “لماذا ينتحر الشباب في مصر؟” وما العوامل التي تدفع بعضهم إلى اتخاذ هذا القرار المأساوي بدلًا من البحث عن سبل أخرى للحل؟
انتحار شاب بالقاهرة
تداول نشطاء عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” صورًا ومقطع فيديو يُظهر جثمان أحد الأشخاص منتحرًا شنقًا على أحد الكباري بالقاهرة، وهو ما علّقت عليه وزارة الداخلية في بيان رسمي، اليوم، أكدت فيه أن المنتحر يعمل سائقًا بأحد تطبيقات النقل الذكي، ويستخدم سيارةً مملوكةً لشقيقه، الذي أوضح للجهات الأمنية معاناة المتوفى من اضطرابات نفسية بسبب الوحدة.
وفتحت هذه الواقعة الباب أمام التساؤلات حول أسباب تزايد حالات الانتحار في مصر،مع وجود تقارير تشير إلى تصدّر مصر الدول العربية في معدلات الانتحار التي تزداد عامًا بعد عام، لا سيما بين الشباب، مع تأكيد بعض مراكز الدراسات وجود حالات لا يتم الإبلاغ عنها خشية الوصمة الاجتماعية.
الانتحار لا يمثل ظاهرة
وقال الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إن حالات الانتحار في مصر لا تمثل ظاهرة، موضحًا أن الدولة تحتل المركز الـ79 عالميًا من حيث معدلات الانتحار، والرابع عربيًا، لكنها قد تبدو في المرتبة الأولى عربيًا بسبب عدد السكان، فضلًا عن أن بعض الدول لا تسمح بتسجيل أو نشر مثل هذه الحالات عبر وسائل الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف فرويز، في تصريحات خاصة لـ “القصة”، أن أغلب حالات الانتحار ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالاضطرابات الشخصية والأمراض النفسية، مثل الاكتئاب والفصام المصحوب بهلاوس سمعية، إذ قد تدفع هذه الهلاوس المريض أحيانًا إلى الإقدام على الانتحار دون وعي كامل منه.
وأشار إلى أن المشكلات الأسرية تُعد من الأسباب القوية التي قد تدفع إلى الانتحار، خاصة إذا تزامنت مع شخصيات مضطربة، موضحًا أن الشخصيات الحدية والعصابية قد تؤذي نفسها تحت الضغط، كما أن بعض الأشخاص قد يلجؤون إلى إيذاء أنفسهم بهدف لفت الانتباه، وليس بقصد الانتحار الفعلي، مثل الشخصيات الهستيرية؟
وقال: “إن التناول المتكرر والمكثف لحوادث الانتحار في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يُرسّخ في أذهان ضعاف النفوس طرقًا بعينها لإنهاء الحياة، فنجد زيادة في بعض الوسائل بعد شيوعها، ما يستدعي توخي الحذر عند مناقشة هذه القضايا، حتى لا نُسهم بشكل غير مباشر في انتشارها”.
الانتحار قرار فردي
من جانبه، قال الدكتور طه أبوحسين، أستاذ علم الاجتماع، إن الانتحار في جوهره قرار فردي له جذور نفسية وشخصية ممتدة، موضحًا أن التفسير العلمي يشير إلى وجود خلل وظيفي في المخ، غالبًا ما يصاحب حالات الاكتئاب، فيدفع الشخص إلى تصور الانتحار كحل وهمي لمشكلاته.
وأضاف في حديثه لـ “القصة”: “من وجهة نظري، يرتبط الانتحار أيضًا بعوامل عاطفية، إذ قد يشعر الإنسان بالإهمال أو العزلة داخل محيطه الاجتماعي، ما يخلق لديه فراغًا وجوعًا عاطفيًا، فيلجأ إلى محاولة الانتحار طلبًا للاهتمام والتعاطف، دون إدراك أنه في حال نجاح المحاولة سيفقد حياته ولن يشعر بما سعى إليه”.
وفيما يتعلق بسبل المواجهة، أكد أبوحسين ضرورة تعزيز الترابط الأسري والقضاء على مشاعر اللامبالاة والانفصال داخل الأسرة، مشددًا على أهمية ملء الفراغ النفسي بأنشطة إيجابية، والابتعاد عن أي أفكار تتعلق بإيذاء النفس.
وأشار إلى المسؤولية المجتمعية لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في التعامل مع هذه القضايا، من خلال التوعية بمخاطر إيذاء النفس وآثاره السلبية على الفرد وأسرته، لما يخلّفه من حزن وألم ووصمة اجتماعية، فضلًا عن آثاره الاقتصادية إذا كان المتوفى عائلًا لأسرته.