يأتي شهر رمضان هذا العام فيما يعيد ملايين المصريين ترتيب علاقتهم بالطعام، اللحوم غابت، والدواجن تقلصت، وبقايا الدجاج تقدمت إلى الواجهة كخيار اقتصادي اضطراري، في مشهد يعكس كيف أعادت الأزمة الاقتصادية تعريف ما هو “أساسي” على موائد الشهر الكريم.
لم يعد السؤال في شوارع كثيرة بمصر: ماذا سنأكل اليوم؟ بل: ما الذي لا يزال ممكنا أكله؟
في ظل أزمة اقتصادية تضرب الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، وبعد أن خرجت اللحوم الحمراء تمامًا من معادلة الطعام اليومي، تحولت الفراخ من خيار اقتصادي إلى عبء، ومع استمرار الارتفاع، ظهر واقع أكثر قسوة: الهياكل، الأجنحة، رجول الدواجن، لم تعد بقايا، بل بديلًا غذائيًا رئيسيًا.
أمام محل دواجن في منطقة شعبية، تقف سيدة في العقد الرابع أو الخامس من عمرها. لا تتردد، لا تفاوض. تقول جملة قصيرة تحمل كل شيء: “نص هياكل وشنطة رجول يا عم محمد”، يدفع الصبي الطلب، الحساب: 34 جنيهًا لنصف كيلو الهياكل، و30 جنيهًا لشنطة الرجول، 64 جنيهًا مقابل ما كان يعتبر يومًا ما مخلفات، السيدة تنصرف، لا تشتكي، لا تشرح، المشهد وحده يشرح.
صاحب المحل، محمد، لا يبدو مندهشا، يقول إن هذا الطلب أصبح معتادا:”زمان الهياكل والأجنحة والرجول كانت اللي ظروفه كويسة ياخدها أكل للقطط والكلاب، دلوقتي الناس اللي ظروفها صعبة بتشتريها، تعمل عليها شوربة مع أي خضار واهو الناس عايشة وبتاكل وخلاص”. كلمة “وخلاص” هنا ليست تفصيلا لغويا، بل ملخص مرحلة كاملة.
محمد يوضح أن سعر الهياكل والأجنحة مرتبط بسعر كيلو الفراخ، أما الرجول فتباع بالشنطة وليس بالكيلو.
“الشنطة ممكن يبقى فيها أكتر من اتنين كيلو، وبنطلعها بـ30 جنيه”.
أثناء الحديث، تقف سيدة أخرى تطلب كيلو أجنحة، اسمها “إيمان” -اسم مستعار-، زوجها عامل باليومية، أكثر من نصف الدخل يذهب للإيجار وفواتير الكهرباء والغاز والمياه.
تقول:”بنشتري دجاج مرة أو مرتين في الشهر لو الحال متيسر. لو لأ، بنشتري أجنحة وعفش فراخ، ناخد منه شوربة ونطبخ عليه”. ثم تضحك ضحكة قصيرة، قاسية، وتقول:”هو كله زفر، أهم حاجة العيال تاكل”، الضحك هنا ليس خفة دم، بل آلية بقاء.
هذه المشاهد لا تعني، بحسب محمود العناني رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أن أكثر من نصف المصريين يعتمدون على عفش الفراخ، واصفًا هذه الأحاديث بأنها “مبالغ فيها”، لكنه يعترف بوجود شريحة كبيرة من محدودي الدخل في المناطق الشعبية تلجأ بالفعل لشراء الهياكل، وأحيانًا تضيف معها قطعة صغيرة مثل ورك دجاج لعمل شوربة.
العناني يوضح أيضًا أن أغلب عفش الفراخ والهياكل يدخل في صناعة الناجتس، من خلال فصل اللحم عن العظام باستخدام ماكينات «MDM»، وتحت إشراف هيئة الخدمات البيطرية ووزارة الزراعة والجهات الرقابية، مؤكدًا أنها عملية صحية ولا تحمل أضرارًا، لكن النقاش هنا لا يدور حول السلامة فقط، بل حول الضرورة.

الدكتور باسل الجاسم، أخصائي التغذية العلاجية، يضع الأمر في سياقه الصحي الصريح:”اللحوم بكل أنواعها هي المادة الغذائية الأولية لجسم الإنسان، البروتين عنصر أساسي للبناء والهدم والمناعة، وهو المادة الوحيدة المسؤولة عن هذه العمليات الحيوية”.
ويضيف أن الفراخ تحتوي على نسبة بروتين تقارب 20%، وأن جميع أجزائها مفيدة باستثناء الجلد لاحتوائه على الدهون، أما الكبد والقوانص والأجنحة فهي صالحة غذائيًا ويمكن تناولها أكثر من مرة شهريًا، لكن لا يصح الاعتماد عليها كمصدر أساسي للبروتين.
البديل الأرخص، بحسب الجاسم، هو البيض نظرًا لكفاءته البيولوجية العالية، لكن الواقع يقول إن حتى البيض لم يعد متاحًا دائمًا.

اقتصاديًا، يشرح الدكتور كريم العمدة الصورة الأوسع، الاستهلاك الفردي من البروتين الحيواني في مصر تراجع إلى 7.5 كيلو جرام سنويًا، بعد أن كان يتراوح بين 14 و16 كيلو جرام.
هذا التراجع، بحسب العمدة، يعكس ارتفاع الأسعار بشكل حاد، ويدفع الناس إجباريًا لتقليل الاستهلاك أو البحث عن بدائل أقل كلفة، من بينها عفش الدواجن.
ويحذر: “انخفاض استهلاك البروتين يعني أننا أمام أزمة صحية عامة، تؤثر على القدرة الجسدية والمناعة وصحة المواطنين”.
كما دعا العمدة الحكومة إلى تبني خطة شاملة لتوفير بروتين حيواني بأسعار تناسب محدودي الدخل، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي.

الأرقام الدولية لا تقل قسوة
بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) تشير إلى أن 85% من المصريين غير قادرين على تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، بحسب تقديرات عام 2019، بينما نحو 45% غير قادرين حتى على توفير نظام غذائي يفي بالحد الأدنى من السعرات والطاقة، هذه النسب لا تعني فقط سوء تغذية، بل تعني استبعاد ملايين الأسر من البروتين الحيواني تمامًا.
في هذا السياق، لم تعد الهياكل والأجنحة ظاهرة هامشية، بل مؤشرًا اجتماعيًا واقتصاديًا على مرحلة جديدة من الفقر، حيث تتحول بقايا الطعام إلى وجبة، والوجبة إلى إنجاز، السلع الأساسية لم تعد أساسية، والطعام لم يعد حقا يوميا، بل مجهودا تفاوضيا.