كتب: أحمد الدماطي
تظل أغنية «حدوتة مصرية»، من وجهة نظري، أصدق وأدق تعبير عن محمد منير وتجربته الفنية الممتدة منذ أواخر السبعينيات حتى اليوم.
فمنير، خلال مشواره، ارتبط بمشروعات فنية وثقافية، سواء في السينما أو المسرح أو الموسيقى، واستطاع بصوته وإحساسه أن ينقل أفكار هذه المشروعات إلى الناس، وأن يجعلها حاضرة ومتوارثة من جيل إلى جيل.
فانطلاقة محمد منير في الموسيقى ارتبطت بمشروع الموسيقار الكبير هاني شنودة، الذي سعى إلى تقديم موسيقى بشكل جديد ومختلف، سواء من ناحية المضمون والأفكار أو من ناحية الشكل والأسلوب الفني. ففي أول ألبوم لمحمد منير، وهو ألبوم «علموني عنيكي» الصادر عام 1977، تولى هاني شنودة توزيع أغاني الألبوم كلها، بالإضافة إلى تلحينه بعض الأغاني، وعلى رأسها أغنية «علموني عنيكي»، التي ما زالت حاضرة في وجدان الجمهور، وما زال منير يغنيها في حفلاته بالإحساس نفسه، رغم مرور السنوات. ونجح منير بصوته وإحساسه في إيصال هذه الموسيقى الجديدة إلى الجمهور، بكل ما تحمله من تمرد وحب بمعناهما الأوسع.
وبعد تعاونه مع هاني شنودة، قدّم منير ألبوم «لما بنتولد»، ثم ألبوم «شبابيك» مع يحيى خليل وفرقته، ليعبّر عن الحرية والحب ومعانٍ أخرى كثيرة نجح في إيصالها، حتى أصبح منير نفسه عنوانًا لها.
ومن خلال كلمات عبد الرحيم منصور وألحان هاني شنودة، إلى جانب أغنيات أخرى من كلمات وألحان أحمد منيب، وأشعار مجدي نجيب في ألبوم «علموني عنيكي»، وكذلك ألحان أحمد منيب وأشعار عبد الرحيم منصور ومجدي نجيب وفؤاد حداد في ألبوم «شبابيك»، نجح منير في التعبير عن مشاعر إنسانية وفلسفية تتصل بالحب والحرية. ومع الوقت، أصبحت هذه المعاني جزءًا أصيلًا ورئيسيًا من مشروعه الفني.
ونرى ذلك في عام 2003، من خلال أغنيتين صدرتا ضمن ألبوم «أحمر شفايف»، هما «إقرار» و«بنات»، بما تحمله كل منهما من معانٍ، وكذلك في أغنية «إزاي» عام 2011، وأغنية «أهل العرب والطرب» عام 2012.
وما يؤكد أن أغاني منير كانت تحمل معاني وقيمًا ومضامين أعمق اجتماعيًا وإنسانيًا، ما نراه في فيلم «في سيرة أهل الضي»، الصادر عام 2025، من تأليف هيثم دبور وإخراج كريم الشناوي. تظهر أغاني محمد منير على الشريط الصوتي للفيلم خلال أحداثه، وتصبح جزءًا من بنائه الدرامي، في المشاهد التي يغني فيها البطل أغاني منير أثناء رحلته من أسوان إلى القاهرة، سعيًا إلى تحقيق حلمه رغم الصعوبات التي تجعل الوصول إليه أقرب إلى المستحيل.
وعندما كنت أشاهد الفيلم، وجدت المشاهدين في القاعة يرددون الأغاني ويندمجون أكثر مع بطل العمل. ويعود ذلك إلى أن أغاني منير عبّرت عن أحلام الناس البسيطة، وعن بحثهم عن أحلامهم وحريتهم والحب. ومن فرط صدقها، عاشت هذه الأغاني، وظلت مؤثرة في وجدان الجمهور وقلبه، حتى عندما أُعيد تقديمها ضمن عمل درامي بعد مرور سنوات على صدورها.
وفي عام 2012، ارتبطت أغنية «أهل العرب والطرب» بمسلسل «الهروب»، بطولة كريم عبد العزيز، إذ استُخدمت تترًا للمسلسل، وجاءت معبّرة دراميًا عن مضمون العمل.
وفي السينما أيضًا، ارتبط منير بمشروعات فنية وثقافية مهمة، ليس فقط بوصفه مطربًا، ولكن ممثلًا أيضًا.
فقد اختاره المخرج يوسف شاهين، بعينه الفنية المليئة بالمشاعر والقادرة على التقاط الإبداع، لأداء دور صديق يحيى شكري مراد، بطل فيلم «حدوتة مصرية». وغنّى منير في الفيلم أغنية تُعد من أبرز الأغاني في تاريخ السينما المصرية، وهي «حدوتة مصرية»، لتظل لازمتها «يهمني الإنسان ولو ملوش عنوان» تعبيرًا عن يوسف شاهين وما يمثله من فكر وفن، وأرى أنها تعبّر أيضًا عن محمد منير.
وفي عام 1997، تكرر التعاون مع شاهين في فيلم «المصير»، الذي أدّى فيه منير دور مروان، وغنّى أغنية «علي صوتك بالغنا»، بما تحمله من دلالة درامية داخل الفيلم، ومن تعبير إنساني يتجاوز حدود العمل نفسه. وما زالت الأغنية حاضرة، ويرددها الجمهور حتى الآن.
ومن أعماله السينمائية أيضًا فيلم «حكايات الغريب»، من تأليف جمال الغيطاني، وسيناريو وحوار محمد حلمي هلال، وإخراج وإنتاج محمد علي، وكذلك فيلم «يوم مر ويوم حلو»، الذي شارك فيه مع فاتن حمامة، ومن إخراج خيري بشارة.
وفي المسرح، شارك منير في مسرحية «الملك هو الملك»، من تأليف الكاتب المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس، وإخراج مراد منير، وبطولة صلاح السعدني وفايزة كمال ومحمد منير. وتناقش المسرحية فلسفة السلطة في العالم العربي، ولكن في قالب ساخر، وتُعد من المسرحيات المهمة.
ونجد أيضًا في مشوار منير اهتمامًا بالفلكلور وإعادة تقديمه، إلى جانب إعادة تقديم الأغاني القديمة بأسلوب مميز ومختلف.
وبالطبع، لا يزال هناك الكثير مما يمكن الحديث عنه في مشوار محمد منير؛ فكل تجربة خاضها مع شاعر أو موسيقي تمثل تجربة ثقافية بذاتها، أسهمت في إثراء الفن والثقافة بشكل عام، ومن بين هؤلاء عبد الرحيم منصور وأحمد منيب والشاعرة كوثر مصطفى، التي تعاون معها في أغنيتي «علي صوتك» و«بلد البنات».
لذلك، فإن محمد منير تجربة فنية وإنسانية تعبّر عن أفكار المجتمع وتحولاته، وعن معانٍ أخرى كثيرة سنتحدث عنها بالتفصيل لاحقًا.