بعد مشوار طويل في العمل الصحفي، اختار محمد هشام عبية الصحفي والسيناريست أن يتوجه إلى كتابة السيناريو، ونجح في تقديم عدد كبير من الأعمال الدرامية الهامة للشاشة المصرية خلال السنوات الأخيرة مثل: بطلوع الروح وصلة رحم ورسالة الإمام و20 دقيقة وغيرها من الأعمال التى استطاع نقلها بعين صحفي وقلم سيناريست مبدع.
وفي حواره لـ موقع “القصة” حدثنا عبية عن مشواره الصحفي الطويل ،ومتى بدأ حلمه تجاه كتابة السيناريو ورحلته مع هذه المهنة حتى الاحتراف، وعن والفرق بين الصحفي والسيناريست وأنهما مهنتان وإن اجتمعتا على حرفة واحدة يظل لكل منهما أدواتها ومحددادتها.
بين الصحفي والكاتب والسيناريست.. متى يكون محمد هشام عبية أقرب وبدون رتوش؟
أعرف نفسي كصحفي وأيضا سيناريست، فهما مهنتان محببتان بالنسبة لي، وعندما كان يسألني أحدهم في طفولتي ماذا أريد أن أكون كنت أرد:” صحفي”.
وجاء السيناريو بعد سنوات طويلة من العمل الصحفي وتوجهت لكتابة السيناريو منذ عام 2015 حينما بدأ يساورني القلق بشأن مستقبل الصحافة في مصر.
واكتشفت في كتابة السيناريو أنني أكون على طبيعتي في جزء كبير منها، ولذلك أحببت هذه المهنة أيضًا، وعلى الرغم من ممارستي للمهنتين فإن كل مهنة تتمتع بأدواتها، ولا يعني ذلك اختلاف في شخصيتي فيظل ما يحركني في الصحافة والسيناريو اهتماماتي فقط، وتحتاج المهنتان إلى جزء حرفي وأحاول دائما الا أكتب ما هو خارج قناعاتي.
هل أعاقت عين الصحفي المطالبة بالحقيقة والتوثيق خيال المؤلف أحيانا في أعمال مثل “صلة رحم و20 دقيقة”؟
الحقيقة أنني حينما أكون صحفيًا أخلع رداء السيناريست، والعكس كذلك حينما أكون سيناريست، وأرى المهنتين على صلة قريبة ببعضهما ويتشاركان في الأصل وهو الكتابة.
ولا أشعر بالغربة حينما أتنقل بين المهنتين ولكن تتمتع كل مهنة منهم بأدواتها، وأستفيد من أدوات السيناريو في الصحافة كما أستفيد من أدوات الصحافة في السيناريو.
فالصحافة هي كتابة تقوم على الجاذبية أولا ثم البحث عن المعلومات وكشف الحقائق، كذلك في السيناريو لابد أن يتمتع بالجاذبية والتشويق، ولا يتعارض معه أيضا طرح فكرة أو استعراض معلومة تتناسب مع وسيط كالسيناريو، فلا يتحول السيناريو إلى نشرة اخبار ولا يتحول المقال الصحفي إلى نص سينمائي.
وأسعى لذلك دائما ولكن من يمكنه أن يحكم على تحققه هو المتلقي في النهاية.
كيف تعبر عن المشاعر المتطرفة التي تمثل الضعف ال الإنساني مما يجعلنا نتعاطف مع أبطالك في المنطقة الرمادية، “مفيش خير مطلق ولا شر كرتوني” فعلى سبيل المثال نتعاطف مع الدكتور مثلا في “صلة رحم”؟
الحقيقة أن الموضوع لم يكن مقصودًا وقد ظهر بالفعل في أغلب أعمالي، وبطبيعة الحال في البناء الدرامي نحتاج إلى بطل ضد البطل الرئيسي وعادة ما يكون شريرًا.
وكنت أرى أن البطل الشرير لا يرى نفسه كذلك فهو من وجهة نظره يرى أنه يقوم بعمل جيد ويفعل بهذه الطريقة وليس لديه نظرة شاملة لتقييم أثر هذا العمل على الآخرين، ونجد ذلك في أفكار القتلة والسارقين وكل الحكام الديكتاتوريين فيروا جميعا أنهم يعملون لأجل الصالح العام، سواء كان ذلك من خلال سجن المعارضين أو قتل الأشخاص، وفي رأيي أن هذا هو ما يعطي الجاذبية للدراما للكاتب والمشاهد معا.
فهو تحدٍ للكاتب بأن يغوص في خبايا النفس البشرية للشخصية التي يعمل على بنائها، وفي الغالب تكون مستوحاة من الحقيقة، مما يقوى من تواصل الجمهور مع الشخصية، وقد نجد في بعض الأحيان أن الشخصيات الشريرة أو المتطرفة في العمل الدرامي قد تقوم بأعمال أو سلوكيات نريد أن نفعلها ولكن يمنعنا عنها المجتمع أو القانون أو قدراتنا الخاصة.
فأرى أن ذلك قد يشبعنا أيضا بأن نرى الشر الذي نريد ممارسته ولكننا لا نستطيع بغض النظر عن نتيجته.
وبما أن هذا النوع من الشخصيات الرمادية هو الذي أحب مشاهدته فهو أيضا النوع الذي أحب أن أكتب عنه، والتى تجعلك تتعاطف مع سلوكياته، و من الممكن أن تصنف بشكل مجرد أنها خاطئة أو شريرة لكن مع قليل من التفكير نجدها طبيعية وإنسانية للغاية، ففي النهاية نحن نكتب عن بشر والبشر بهم مثل هذه التناقضات.
تكتب عن الأفكار ووجهات النظر، هل شخصياتك تعبر عن وجهات نظر ضد قناعاتك الشخصية وتحتاج للدفاع عن نفسها أمامك؟
بالفعل كثيرًا ما أكتب عن شخصيات تمارس أفكار ضد أفكاري وقناعاتي، ولكن يبقى الأساس عند كتابة هذه الشخصيات أن أكتبها بقناعة وحب، فلا أكره الشخصيات الشريرة أو التى لا تتسق مع أفكاري وتوجهاتي في الحياة، فإذا غاب هذا التعاطف مع الشخصية ستصبح بالفعل كرتونية أو شرها شر مباشر وغير صادق.
وبالرغم من أن تلبس بعض الشخصيات ليس مهمة سهلة على اي كاتب، فليس بالضرورة أن يكون كل ما يتم طرحه على الشاشة يعبر عن أفكاري لأن العمل الدرامي يتطلب أن أكتب عن أفكار أرفضها تماما مما يجعلها مهمة صعبة وتتطلب الكثير من الوقت.
هل حدث و كتبت مشهد ثم وجدت نفسك فيه تحقق مع الشخصية بدل من التعاطف معها؟
ربما يحدث إذا كانت هذه الشخصية لا تعبر عن أفكاري، لذلك قد أتورط في كتابة ما يبدو وأنني أحاكم هذه الشخصية أو أحقق معها في الأفكار التى تتعارض مع أفكاري ومبادئي. وهنا يأتي دور المراجعة سواء مراجعتى ككاتب وما إذا كان هذا مشهد طبيعي أو مشهد أحاكم فيه الشخصية بشكل مباشر، وأيضا رأي المخرج أو الممثل حول ما إذا كان ذلك مناسبا أم لا.
أحيانا يتطلب المشهد ذلك فيضع الشخصية في مواجهة مع طرف آخر يطرح عليها الأسئلة التى أريد أن أوجهها لها.
وتلك الأجزاء هي ما تجعل في الكتابة جزء من اللعب، ويجعلها ممتعة في كثير من الأحيان، وإن لم يتحقق ذلك دائما وفقا لطبيعة العمل والوقت المتاح للكتابة خاصة في السيناريو فقد لا يكون متوفر كثيرا.
تجربة الورشة وتجربة المؤلف المنفرد.
كيف يحافظ الكاتب على “صوته الخاص” مع أهمية المراجعة التاريخية، هل يخرج النص في النهاية كما تخيلته في البداية، أم يختلف بالأصوات المتعددة وما تقييمك للنتيجة؟
الحقيقة أن صوت الكاتب المنفرد قد يظهر في الورش بطريقة أو بأخرى، وقد خضت بالفعل كل مراحل الكتابة الجماعية بدءا من كتابة الحوار أو المشاركة في بناء السيناريو وحتى كتابة الحلقات، و في كل هذه الأحوال أحاول دائما أن أمرر أفكاري من خلال المسارات المتاحة لي، لكن ليس دائما فنجد أحيانا بعض القواعد في الورشة مثل أن المسؤول عن الورشة هو صاحب وجهة النظر الأعم والأشمل في السيناريو على عكس كتابة المشروع بشكل فردي.
لذلك أرى أن بعض المشاريع تصلح لـ الكتابة الجماعية ،وهناك أيضا مشاريع يحمل كاتبها هم شخصي للكتابة عنها قد تفسدها الكتابة الجماعية، والكتابة الفردية تنطلق من كاتب لديه هم شخصي يريد أن ينقله بشكل ما في السيناريو، ينتهي بشكل أفضل، وقد تحقق ذلك بالفعل في مسلسل “بطلوع الروح” فقد انشغلت بفكرة هذا المشروع ولذلك فضلت كتابته بشكل فردي.
وأميل في كثير من الأحيان إلى الكتابة الفردية في المشاريع النابعة مني، ولكن كوني كاتب سيناريو محترف أحيانا قد تتطلب مني أعمال من جهات إنتاجية قد لا يكون في نيتي الكتابة عنها، ولكن قد تلمس بعض هذه الأعمال وتنجح في استخراج هم داخلي لدي حول هذه القضية أو الفكرة مثل مسلسل “صلة رحم” لم يكن فكرتي الأساسية وبالرغم من ذلك أردت كتابته بشكل منفرد لأنه لمس لدي شيئًا، ،بينما توجد بعض المشاريع مثل “رسالة الإمام” لا يمكنني العمل عليها بشكل منفرد لاعتبارات تتعلق بظروف الإنتاج وضيق الوقت وظروف العمل قبل إنضمامي.
فهي بالفعل تختلف من مشروع جماعي لمشروع فردي وتختلف أيضا في بث الهموم والأفكار.