في تطور أمني خطير يعكس تصاعد وتيرة الهجمات بالطائرات المسيرة في السودان، استهدفت ضربة جوية اجتماعاً رسميًا، أمس، ضم ثلاثة ولاة وعدداً من قيادات الجيش بمدينة سنجة، حاضرة ولاية سنار، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى، وسط حالة من الذعر والاستنفار الأمني.
اجتماع رسمي يتحول إلى هدف جوي
ووفقا لمصادر رسمية، كان من بين المشاركين في الاجتماع والي ولاية النيل الأبيض، ووالي ولاية النيل الأزرق، إلى جانب والي ولاية سنار، قبل أن تباغتهم مجموعة من الطائرات المسيرة وتطلق صواريخها على موقع الاجتماع قبيل انتهائه.
وبعد ساعات من الهجوم، أصدرت حكومة ولاية النيل الأبيض بياناً رسميًا نعت فيه اثنين من منسوبيها، هما الماحي حماد إبراهيم، من مراسم الولاية، والرقيب عبد الهادي الصافي، من حرس الوالي، مؤكدة استشهادهما أثناء أداء و اجبهما بمدينة سنجة، جراء اعتداء بطائرة مسيرة تتبع لقوات الدعم السريع.
وأشادت الحكومة بسيرتهما، ووصفت الشهيدين بأنهما كانا مثالًا للتفاني والإخلاص في أداء المهام، و تميزا بحسن الخلق وطيب المعاملة، و ظلا يؤديان و اجبهما بكل شجاعة ومسؤولية حتى لحظة الاستشهاد.
“حصيلة مدنية”.. قتلى وجرحى في قصف عشوائي
ولم تمضِ سوى ساعات قليلة حتى أعلنت شبكة أطباء السودان مقتل عشرة مدنيين وإصابة تسعة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، جراء صاروخ موجه أطلقته طائرة مسيرة تتبع لقوات الدعم السريع على عدد من المواقع بمدينة سنجة، مشيرة إلى أن أحد الصواريخ استهدف مدنيين بشكل مباشر، في جريمة جديدة تضاف إلى سجل الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين.
وأدانت الشبكة بأشد العبارات هذا الاستهداف الممنهج، مؤكدة أن تعمد قصف المدنيين خارج الأهداف العسكرية يرقى إلى جرائم حرب مكتملة الأركان، وحملت قوات الدعم السريع المسؤولية الكاملة عن هذه الانتهاكات، مطالبة بوقف الهجمات على المدنيين والمنشآت المدنية، وضمان توفير الحماية اللازمة لهم. كما ناشدت المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل للضغط من أجل وقف هذه الجرائم، ومحاسبة المسؤولين عنها، ووضع حد لاستمرار استهداف المدنيين في مختلف مناطق السودان.
حصيلة متصاعدة ورسالة تهديد
وفي السياق، أكدت مصادر لـ”القصة” مقتل 27 شخصًا وإصابة 13 آخرين، جراء استهداف طائرة مسيرة تتبع لقوات الدعم السريع مدينة سنجة جنوب شرقي البلاد، ما يعكس تصاعد حجم الخسائر البشرية نتيجة الهجمات الجوية المتكررة على المدينة.
في المقابل، قال الباشا طبيق، مستشار قائد قوات الدعم السريع، إن ما جرى يوم أمس الاثنين من قصف لقيادة الفرقة 17 التابعة للجيش بمدينة سنجة “ليس حدثا عابرا”، و أضاف في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك: “هذه رسالة لدعاة استمرار الحرب بأن القادم سيكون أشد وقعًا وأكثر إيلامًا ووجعًا”، في إشارة إلى تصعيد محتمل في العمليات العسكرية خلال الفترة المقبلة.
قراءة سياسية: لماذا استهدِف ولاة سنار والنيلين؟
أما نائب المدير العام لمركز الراصد للدراسات السياسية والإستراتيجية بالسودان، د. الفاتح عثمان محجوب، فيرى أن محاولة قوات الدعم السريع استهداف اجتماع ولاة وقادة عسكريين بمدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار، يمكن النظر إليها باعتبارها ردا على استهداف الجيش لاجتماعات قادة الدعم السريع.
وأضاف أن الهجوم يحمل كذلك رسالة تهديد مباشرة لولاة النيل الأزرق و سنار والنيل الأبيض المشاركين في الاجتماع، مفادها أن الدعم السريع لن يسمح لهم بممارسة حياتهم بصورة آمنة.
وأشار محجوب، في حديثه لـ”القصة”، إلى أن التأثير العسكري لهذا النوع من القصف بالطائرات المسيرة الانتحارية يظل محدودا على أرض الواقع، موضحا أن مثل هذه الهجمات لن تجبر الجيش على التوقف عن جهوده للقضاء على الدعم السريع، ولا عن مواصلة حملته لاستعادة غرب كردفان وولايات دارفور.
وأوضح أن العملية، رغم أنها أسفرت عن مقتل وإصابة قرابة خمسين شخصًا، معظمهم من المدنيين، إلا أنها لن تؤدي إلى موجة نزوح واسعة خارج مدينة سنجة، بسبب محدودية موقع الاستهداف مقارنة بالحجم الكبير للمدينة. ولفت إلى أن القصف بالطائرات المسيرة سيستمر، لكنه لن يحسم الحرب، رغم كونه سلاحا مؤثرا يصعب الوقاية منه.