زخم جماهيري تشهده الدورة الحالية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، يحوّله لأكبر الفعاليات الثقافية والجماهيرية في مصر وربما خارجها.
هذا الحشد، الذي سخر له أدوات وزارتي الثقافة والنقل والجهات المعنية، مدعوما من رئاسة الوزراء، أعاد التساؤل حول مشاريع القراءة والثقافة، وفتح أسئلة عن قدرة هيئة الكتاب على الاستفادة من كل هذه الإمكانات لصالح استراتيجية يستفيد منها الشعب، وفي القلب منه المثقف والمبدع.
تباين
ورغم الحضور المليوني، إذ تجاوزت زيارات معرض الكتاب 5 ملايين فرد، لا تزال تجارب الكُتّاب والناشرين داخله متباينة، ما بين إشادة بالتنظيم والحضور والحشد، وشكاوى من الإقصاء والعشوائية في بعض القرارات وغياب الرؤية، وانتقادات تتعلق بالأنشطة الثقافية وآليات اختيار المشاركين.
“القصة” استطلع رأي مثقفين وناشرين ومبدعين، أكثرهم شارك في معرض الكتاب، وبعضهم عزف عن زيارته في دورته الحالية.. وننشر الموضوعات تباعًا في قسم “إبداع”.
علي راشد مدير دار المحرر للنشر والتوزيع، رأى أن مستوى التنظيم هذا العام جيد إلى حد كبير مقارنة بدورات سابقة، لأن الدار لم تواجه أي معوقات تنظيمية خلال مشاركتها.
راشد أشار إلى أن الإقبال الجماهيري “معقول” حتى الآن، مع توقع زيادة في عدد الزوار خلال اليومين الأخيرين، رغم أن مستوى المبيعات لم تصل بعد إلى المأمول؛ بسبب ارتفاع أسعار الكتب واقتراب شهر رمضان، إضافة إلى أن نسبة من زوار المعرض لا تستهدف الشراء بالأساس.
الشاعر أحمد حافظ كان رأيه أكثر حدة، رغم إقراره بوجود إقبال جماهيري ملحوظ. حافظ انتقد ما وصفه بـ”سوء التنظيم الواضح” في إدارة الفعاليات والأنشطة داخل القاعات.
لا يليق
ذلك – سوء التنظيم – لا يليق بتاريخ المعرض ومكانته، كما أن آلية اختيار المشاركين في الندوات والأمسيات غير مفهومة، على حد تعبير حافظ.
الشاعر الشاب حاصد الجوائز المصرية والدولية، أشار إلى تكرار الأسماء نفسها كل عام وغياب معايير واضحة للدعوات، في المقابل لم يتلقَّ هو وكثيرون دعوة رسمية للمشاركة؛ رغم تلقيه دعوات من خارج مصر.
ذهب حافظ إلى أبعد من ذلك بانتقاد مستوى بعض الأمسيات الشعرية، معتبرًا أن ضعف الأساس اللغوي لدى بعض المشاركين يمثل “أزمة تمس جودة المحتوى الثقافي”.
عيد قومي
في المقابل، قدّم الشاعر محمد طايل رؤية مختلفة عن معرض الكتاب باعتباره “عيدا قوميا للشعب المصري”، رغم عدم مشاركته في هذه الدورة التزامًا بما أسماه سياسة “التناوب” المتبعة بين الأدباء؛ لإتاحة الفرصة لغيرهم.
طايل أشار إلى أن الإقبال الجماهيري هذا العام لافت ويفوق التوقعات.
وبسؤاله عن رأيه في أعمال منعت من المعرض، اعتبر أن إدارة المعرض لا تصادر الإبداع الأدبي ما دام في إطار “الإبداع الهادف”.
“المعرض تجاوز كونه سوقًا تجاريًا للكتب؛ ليصبح متنزهًا ثقافيًا وعائليًا”، كما لاحظ طايل، داعيًا إلى التعامل مع الثقافة باعتبارها “قوت الروح” الذي يستحق الاحتفاء.
مؤلم وصادم
لكن الباحثة الاجتماعية والسياسية إسراء عبد الحافظ، عبّرت عن صدمتها من غياب كتابها عن المعرض هذا العام، مؤكدة أنها لم تتلقَّ أي توضيح رسمي يبيّن أسباب قرار منعه، سواء كان إداريًا أو متعلقًا بالمحتوى.
عبد الحافظ قالت إن الكتاب صدر العام الماضي ضمن إصدارات معرض القاهرة للكتاب 2025، ما جعل الموقف بالنسبة لها الأول من نوعه. عبد الحافظ اعتبرت قرار منع كتابها “مؤلم وصادم”، خاصة أنه جاء قبل انطلاق المعرض بيوم واحد فقط.
غياب الكتاب عن المعرض حرمه من حقه الطبيعي في الوجود والنقاش داخل الفعالية الأهم للوصول إلى القرّاء، على حد وصف عبد الحافظ. وأضافت أيضا أنها لم تشارك في المعرض هذا العام بأي شكل آخر، سواء في حفل توقيع أو ندوات، ما جعل تجربتها “منقوصة”.
وحاول موقع القصة معرفة سبب منع كتاب إسراء عبد الحافظ، إلا أنه لم يتسن له ذلك.
عادة
عبد الرحمن الطويل الباحث في القاهرة الخديوية تحدث عن مشاركته في معرض الكتاب هذا العام؛ لأنها عادة يحرص عليها دائما، إذ إنه شارك 22 مرة وله في معرض الكتاب ديوانا شعر، وكتاب عن الفسطاط وأبوابها.
الطويل باحث في فن التلاوة وشاعر تخرج في كلية دار العلوم جامعة القاهرة.
بين هذه الآراء المتقاطعة، يظل معرض القاهرة الدولي للكتاب مساحة كاشفة لتناقضات المشهد الثقافي في مصر، إذ يفتح الحضور الجماهيري الكثيف أسئلة عن جوهر العمل الثقافي والتنظيم وعدالة المشاركة، وهي أسئلة تتجدد مع كل دورة، وتؤكد أن نجاح المعرض لا يُقاس فقط بعدد الزوار، بل أيضًا بتجارب صُنّاعه من كُتّاب وناشرين.