تحطمت الآمال في إيجاد حل دبلوماسي للنزاع بين الولايات المتحدة وإيران، فكلا الجانبين متمسك بمطالبه القصوى ويرى نفسه في وضع أفضل، مما يترتب عليه عواقب خطيرة على المنطقة والاقتصاد العالمي.
وفشلت المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء القتال في إيران والشرق الأوسط، بعد 21 ساعة من المحادثات، أعلن نائب الرئيس، جي دي فانس، في ساعات الصباح الباكر من إسلام آباد أن الطرفين لم يتوصلا إلى اتفاق. وقد غادرت الوفود باكستان، ولا نعلم حتى الآن هل ستعاد المفاوضات مرةً أخرى في القريب العاجل، أم لا..
مطالب قصوى من الجانبين
من الطبيعي أن يدخل الوفدان في المفاوضات بمطالب قصوى. في المفاوضات الناجحة، يجد الطرفان أنفسهم في نقطة وسط بين هذه المطالب. لكن هذا لم يحدث في إسلام آباد.
من أبرز النقاط التي تمسك بها الطرفان كان:
البرنامج النووي الإيراني
فقد طالبت الولايات المتحدة بضمان قوي و طويل الأمد من إيران بعدم تطوير أسلحة نووية، وتحديدًا عبر فرض قيود صارمة على تخصيب اليورانيوم. في المقابل، رفضت طهران أي محاولات لفرض قيود مفرطة على سيادتها، معتبرة أن ذلك يشكل انتهاكًا لحقوقها. فعلى الرغم من أن إيران لم تؤكد رسميًا أنها تريد بناء أسلحة نووية، إلا أنها لا ترغب في حرمانها من حق تخصيب اليورانيوم. إن قيمة الردع النووي أصبحت أكثر وضوحًا بالنسبة للحكومة الإيرانية منذ الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
رفع العقوبات ودفع التعويضات
إيران تطالب أيضًا بأن ترفع الولايات المتحدة العقوبات وتعوض الأضرار التي تسببت فيها والتدمير الذي لحق بالبلاد نتيجة العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها، بالإضافة إلى ذلك، مطالبة إيران بالإفراج عن أصولها المجمدة في الخارج، بما في ذلك الأموال الموجودة في قطر ودول أخرى. لكن الولايات المتحدة رفضت تقديم أي ضمانات بشأن هذا الموضوع، مما كشف عن فجوة كبيرة في توقعات الطرفين فيما يتعلق بالتنازلات الاقتصادية.
مضيق هرمز نقطة الخلاف الرئيسية
يعد مضيق هرمز، الذي أغلقت إيران معظم مداخله بعد بدء الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، نقطة خلاف رئيسية. تدعو واشنطن طهران إلى فتحه دون شروط. ومع ذلك، يعتبر هذا المضيق، الذي يعبر من خلاله خُمس النفط العالمي والكثير من السلع، أكبر ورقة ضغط في يد طهران.
يمكنها من استخدامه لجعل العالم كله يدفع ثمن الهجمات على البلاد، وذلك من خلال رفع أسعار الطاقة وزيادة التضخم. ومن غير المرجح أن يتخلوا عن هذه الورقة الاستراتيجية دون مقابل. بل أنها أصبحت تطالب السفن التي تنر عبره بدفع رسوم عبور، وهو ما ترفضه واشنطن.
وقف اطلاق النار الشامل
لم تقتصر المفاوضات على القضايا النووية والعقوبات، ومضيق هرمز فقط، بل طالبت إيران ومنذ البداية بوقف إطلاق نار شامل في المنطقة، بما في ذلك في لبنان. بينما بقيت الولايات المتحدة مركزة على القضايا الضيقة المتعلقة بالبرنامج النووي والأمن البحري، مما أظهر تباينًا كبيرًا في الأولويات بين الجانبين.
اقبله أو اتركه
بعد انتهاء المفاوضات، خرج نائب الرئيس فانس بتصريحات تهاجم إيران، وقال: “لقد قرروا عدم قبول شروطنا!”، وكان من الواضح أن الوفد الأمريكي يدخل هذه المفاوضات بطريقة اقبله أو اتركه Take it or Leave it
فيما صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قائلاً: “إن نجاح هذه العملية الدبلوماسية يعتمد على جدية ونية الطرف الآخر، على امتناعهم عن المطالب المبالغ فيها وغير المشروعة، واعترافهم بحقوق ومصالح إيران المشروعة.”
كلا الجانبين يطالب الآخر بقبول شروطه، ويصفون شروط الطرف الآخر بأنها غير مقبولة. وقد أوضح فانس هذا في تصريحاته، حيث أكد أن النقاط التي قدمتها الولايات المتحدة كانت العرض النهائي.
الشكوك المتبادلة
لم يفعل أي من الجانبين الكثير لبناء الحد الأدنى من الثقة. فواشنطن تفاوضت مع إيران حتى قبيل الهجمات الأولى في نهاية فبراير، وكانوا على وشك الوصول إلى صيغة مقبولة من الطرفين، ولم يكن مضيق هرمز مادة للتفاوض عليها، بينما كانت الاستعدادات جارية على قدم وساق بين أمريكا واسرائيل لتوجيه الضربة العسكرية إلى ايران واغتيال المرشد خامنئي.
قيادة إيران الحالية ليست بالسهولة التي كان يتوقعها دونالد ترامب، وتحتفظ بجميع الخيارات مفتوحة وفي يدها أوراق مهمة قد تؤثر بشكل عميق على الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
إسرائيل كعامل معرقل
قبل بدء المفاوضات، كان من المتوقع أن تصبح الحرب الإسرائيلية على لبنان نقطة خلاف في المفاوضات. استمر ذلك حتى بعد وقف إطلاق النار، بل وتجاوزت اسرائيل أي خطوط حمراء بقصفها العنيف جداً لبيروت يوم الأربعاء 8 إبريل، والذي أسفر عن سقوط المئات من الضحايا! أما بالنسبة لطهران، فقد كان هذا أحد شروط وقف إطلاق النار، بينما استبعدته واشنطن بعد الاتفاق، مما منح إسرائيل ضوءاً أخضر غير معلن للاستمرار في هجومها على لبنان.
رؤية كل طرف لنفسه على أنه الفائز
في السياسة هناك درساً قديماً في المفاوضات لإنهاء الحروب يقول إن النجاح يكون مرجحًا عندما يصل النزاع المسلح إلى طريق مسدود مؤلم للطرفين. لكن هذا ليس هو الحال في هذه الحرب.
الولايات المتحدة تكرر منذ أسابيع أنها هزمت إيران، وأزالت فعليًا قدراتها العسكرية، وقضت على قيادتها.
إيران أيضًا ترى نفسها على أنها المنتصرة لأنها لا تزال قادرة على إطلاق الصواريخ على اسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، بالإضافة إلى حصار مضيق هرمز وفرض رسوم مرتفعة على المرور.
وهذا يظهر أيضًا أن القيادة الإيرانية قادرة على العمل، رغم أن المرشد الجديد مجتبي خامنئي لم يظهر علنًا منذ توليه المنصب، وتم اسبدال القيادات العسكرية التي تم اغتيالها أثناء الخرب بقيادات جديدة بسرعة.
ما الذي سيحدث الآن؟
حتى الآن، لم تنهِ أمريكا أو ايران وقف إطلاق النار، مع الأخذ في الاعتبار أن العدوان الإسرائيلي على لبنان مازال مستمراً حتى الساعة، ومع ذلك، فإن بقاءه قائمًا بعد فشل الدبلوماسية يظل أمرًا مشكوكًا فيه.
وفقًا للقيادة المركزية الأمريكية، عبرت مدمرتان أمريكيتان مضيق هرمز في يوم المفاوضات، وأعلن الرئيس الأمريكي أنهما لتفجير الألغام البحرية.. تريد الولايات المتحدة أن تُظهر أن السفن الحربية تستطيع المرور من المضيق، لكن ايران سارعت إلى دحض ما ذكرته الولايات المتحدة، حيث عرضت مقاطع فيديو على شاشة التليفزيون الرسمي تُظهر سيطرتها على المضيق، بل وظهرت قوارب صغيرة تابعة لها تتحرك بجانب المدمرة الأمريكية!
أما بالنسبة للإقتصاد، فهذا لا يخفف من حدة الوضع في السوق العالمية. سيشعر الناس في العالم بذلك عند محطات الوقود، حيث ستظل أسعار البنزين مرتفعة. وينطبق الشيء نفسه على سوق الغاز. في نهاية المطاف، تؤثر أسعار الطاقة على العديد من السلع التي يتم نقلها أو إنتاجها، فالطاقة تحدد أسعار كل شيء.
على الرغم من أن كلا الجانبين يعانيان من الصراع، إلا أنه لا يتوقع أي مراقب أن يحاول الطرفان محاولة أخرى لإيجاد حل تفاوضي في المستقبل القريب. فالفجوة بينهما كبيرة، والشكوك المتبادلة كبيرة.. جدًا!