لم تمر الضربة التي استهدفت منشأة غاز في قطر مرور الكرام، بل تحولت سريعًا إلى صدمة في أسواق الطّاقة العالميّة، انعكست مباشرة على أسعار الغاز في أوروبا، وهددت بإشعال موجة جديدة من ارتفاع تكاليف المعيشة.
لم تعد الحروب تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بقدرتها على رفع فواتير الكهرباء داخل بيوت تبعد آلاف الكيلومترات.
ضربة في قلب إمدادات الطاقة
استهدفت الضربة منشأة رأس لفان الصناعية، والتي تُعد أكبر مركز لتسييل وتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم. وتلعب قطر دورًا محوريًا في سوق الطاقة، حيث تصدر نحو 20% من إجمالي الغاز الطبيعي المسال عالميًا.تُعد أحد الموردين الأساسيين لأوروبا وآسيا.
لكن الهجوم أدى إلى تعطل جزء من الإنتاج، وفقدان ما يقرب من 17% من القدرة التصديرية مؤقتًا؛ مما أحدث صدمة فورية في الأسواق، قفزة حادّة في أسعار الغاز خلال السّاعات التي تلت الضربة.
شهدت الأسواق الأوروبية تحركات عنيفة، حيث ارتفاع أسعار الغاز بأكثر من 25% في يوم واحد.
قفزات وصلت إلى نحو 35% في بعض التداولات، فسجل سعر البرميل من خام برنت نحو 118دولار للبرميل الواحد.
والسبب هو انخفاض المعروض العالمي، مع مخاوف من نقص الإمدادات مما أدى إلى ارتفاع الأسعار.
من منصة الغاز إلى عداد الكهرباء
يمر تأثير الأزمة بسلسلة واضحة حتى يصل إلى المواطن، فتعطل الإنتاج في قطر، أدي إلي انخفاض المعروض العالمي، مما سبب ارتفاع الأسعار في أوروبا وزيادة تكلفة شراء الطاقة وتحميل التكلفة على المستهلك.
فكانت النتيجة ارتفاع فواتير الكهرباء والغاز علي المواطنين.
أوروبا في قلب الأزمة
تعتمد أوروبا بشكل متزايد على الغاز المسال، خاصة بعد تقليص الاعتماد على روسيا، ما يجعلها الأكثر تأثرًا.
أبرز الدول المتضررة إيطاليا وبلجيكا والمملكة المتحدة، والتأثير جاء على هيأت ارتفاع فواتير الكهرباء وزيادة التضخم وضغوط على الحكومات.
آسيا تدخل المنافسة الأزمة
لا تتوقف عند أوروبا، بل تمتد إلى آسيا التي تعتمد بشدة على الغاز القطري.
أبرز الدول المتضررة هم اليابان وكوريا الجنوبية “من أكبر المستوردين للغاز القطري”.
كما تتأثرالصين والهند، بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة والإنتاج، والدول الأكثر هشاشة الدول النامية، هي الأكثر عرضة للأزمة، ومنها باكستان وبنجلاديش، وقد تواجِه نقصًا فعليًا في الطّاقة وانقطاعات كهرباء.
مخاوف من تصعيد أكبر
تتزايد المخاوف بسبب موقع الهجوم في منطقة حساسة تمر بها نسبة كبيرة من الطاقة العالمية، خاصة مضيق هرمز. أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط والغاز، مع قفزات قياسية جديدة في الأسعار.
الطاقة تشعل التضخم العالمي
ارتفاع أسعار الغاز، حيث وصل سعر برميل من خام برنت إلي 118دولار، مما ينعكس على الإنتاج الصناعي وأسعار الغذاء وتكاليف النقل، ما يعني أننا علي حافة موجة تضخم عالمية جديدة.
قراءة تحليلية
يعيد هذا الحدث تسليط الضوء على هشاشة أمن الطاقة عالميًا، خاصّة في ظل اعتماد أوروبا الكبير على الاستيراد.
فكلما زادت الاضطرابات في مناطق الإنتاج، أصبحت حياة المواطن في أي دولة مرتبطة بشكل مباشر بما يحدث في أسواق الطاقة العالمية.
امتداد الضربات الى مراكز الانتاج
في هذا السياق، قال خبير الطاقة الذرية يسري أبو شادي ان العالم دخل بالفعل مرحلة مختلفة من الصراع، لم تعد تقتصر على تهديد طرق نقل النفط مثل المضايق البحرية، بل امتدت الى ضرب مراكز الانتاج والتخزين نفسها، وهو ما يضاعف من حجم المخاطر على امدادات الطاقة.
غياب سقف للتصعيد
واوضح، أن اتساع نطاق الضربات المتبادلة بين اطراف الصراع، وعلى راسها ايران والولايات المتحدة واسرائيل، يعكس غياب سقف واضح للتصعيد، مشيرا الى ان الخسائر الناتجة عن هذه المواجهات قد تمتد لتشمل اطرافا لم تكن منخرطة بشكل مباشر، وفي مقدمتها دول الخليج.
ارتفاع اسعار الطاقة والعدم اليقين
وأشار الى ان اسعار الطاقة بدات بالفعل في الارتفاع، مع توقعات باستمرار هذا الاتجاه في ظل امتلاك ايران قدرات قد تفوق التقديرات السابقة، ما يزيد من حالة عدم اليقين في الاسواق العالمية.
الدول الأكثر تأثيرا.. أوروبا ومصر
وفيما يتعلق بالدول الاكثر تأثيرا، أكد أن الدول المستوردة للطاقة ستكون في مقدمة المتضررين، خاصة الدول الاوروبية، إلى جانب مصر التي اصبحت من كبار مستوردي النفط والغاز، وهو ما يجعلها عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار العالمية.
تأثير على آسيا الكبرى
كما لفت إلى أن التأثير سيمتد إلى الاقتصادات الكبرى في آسيا، مثل الصين والهند، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة لتغذية قطاعاتها الصناعية.
سيناريوهات الحدة القصوى
وحذر من سيناريوهات اكثر حدة، قد تؤدي الى زيادات كبيرة في أسعار الطاقة تتجاوز المستويات الحالية، بما قد يصل إلى مضاعفة الأسعار، وهو ما سينعكس بدوره على مختلف القطاعات الاقتصادية عالميا.
موجه تضخم شاملة
وأکد أن ارتفاع أسعار الوقود لا يؤثر فقط على تكاليف النقل، بل يمتد ليشمل جميع عناصر الإنتاج، من الصناعة إلى الزراعة، ما يؤدي الى موجة تضخمية شاملة تمس مختلف السلع والخدمات، وهو ما ينعكس في النهاية على المستهلكين حول العالم. ضغوط غير مسبوقة على الاقتصاد العالمي.
واختتم أن استمرار التصعيد دون حلول سياسية قد يدفع الاقتصاد العالمي الى مرحلة من الضغوط غير المسبوقة، في ظل الترابط الوثيق بين اسعار الطاقة ومختلف النشاطات الاقتصادية.
من الخليج إلى البيت الأوروبي
في النهاية، لم تعد المسافات عائقًا أمام انتقال الأزمات، فضربة في منشأة غاز في قطر يمكن أن تتحول خلال ساعات، إلى زيادة في فاتورة الكهرباء داخل منزل أوروبي، وبين السياسة والاقتصاد، يبقى المواطن هو الطرف الأكثر تأثرًا والأكثر دفعًا للثمن!