لم يبدأ أحمد دياب رحلته البحثية داخل أحد المراكز العلمية الكبرى، ولم تكن الإمكانات المعملية المتاحة له كافية دائمًا لاستكمال تجاربه. فمن محافظة بني سويف، انطلق المهندس والباحث المصري في رحلة يقول إنها بدأت عام 2013، مدفوعًا باهتمامه بالعلوم والطبيعة ورغبته في استكشاف طرق جديدة للاستفادة من الطاقة.
على مدار أكثر من 13 عامًا، عمل دياب على تطوير فكرة الخلايا الحرارية، التي يسعى من خلالها إلى الاستفادة من الإشعاع الحراري غير المرئي في توليد الكهرباء. وبين التجارب الأولية ومحاولات تحسين النموذج، واجه تحديات تتعلق بتوفير المواد المتخصصة والإمكانات المعملية، إلى جانب الحاجة إلى استكمال الاختبارات اللازمة لتقييم كفاءة التقنية وحدود استخدامها.
وفي حواره مع “القصة”، يتحدث أحمد دياب عن بداياته، وفكرة الخلايا الحرارية، والنتائج الأولية التي توصل إليها، والتحديات التي تواجه مشروعه، وما يحتاج إليه للانتقال من النموذج التجريبي إلى مراحل أكثر تقدمًا.
من أين بدأت الحكاية؟
من هو أحمد دياب بعيدًا عن الأضواء؟ وكيف بدأت رحلتك في البحث العلمي من بني سويف؟
أنا أحمد دياب، مهندس وباحث مهتم بمجالات الطاقة المتجددة والبيئة والابتكار العلمي، وأنتمي إلى محافظة بني سويف. أؤمن بأن الإنسان ليس مضطرًا إلى الوجود في العاصمة أو بالقرب من مركز علمي كبير حتى يتمكن من التعلم والبحث وتقديم شيء مفيد لوطنه والعالم.
منذ وقت مبكر، كان لدي فضول تجاه العلوم والطبيعة والطاقة، وكنت أحاول فهم كيفية عمل الأشياء من حولي، وإمكانية الاستفادة من الموارد المتاحة بطرق مختلفة. ومع الوقت، تحول هذا الاهتمام إلى بحث وتجارب مستمرة، وصولًا إلى العمل على فكرة الخلايا الحرارية، التي تمثل محطة مهمة في رحلتي العلمية.
لم يكن الطريق سهلًا؛ فالبحث العلمي يحتاج إلى الوقت والصبر والإمكانات، وقد تكون الأسئلة في بعض المراحل أكثر من الإجابات. لكن ما دفعني إلى الاستمرار هو إيماني بأن العلم ليس حكرًا على أحد، وأن الباحث المصري يستطيع تقديم إضافة حقيقية إذا امتلك المعرفة والإصرار والفرص المناسبة.
وبالنسبة إليّ، لا يتمثل النجاح في الشهرة أو الظهور الإعلامي أو الحصول على التكريم، وإنما في تحويل الجهد إلى شيء ملموس يمكن أن يستفيد منه الناس.
من الاهتمام بالطاقة إلى فكرة الخلايا الحرارية
متى بدأت العمل على الخلايا الحرارية؟ وما الذي دفعك إلى اختيار هذا المجال؟
بدأت رحلتي من اهتمامي بالطاقة، ومن تساؤل حول كيفية الاستفادة بصورة أفضل من الطاقة الموجودة حولنا، خصوصًا الإشعاع الحراري غير المرئي، وإمكانية تطوير طرق متنوعة لتوليد الكهرباء.
مع تزايد الاهتمام العالمي بالطاقة، تتواصل الأبحاث الرامية إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الفاقد وتطوير بدائل متنوعة لإنتاج الكهرباء. ومن هذا المنطلق، بدأت الدراسة والتجارب، واتجهت إلى تطوير فكرة الخلايا الحرارية.
تقوم الفكرة التي أعمل عليها على محاولة الاستفادة من الإشعاع الحراري وتحويله إلى طاقة كهربائية باستخدام مواد وتصميمات أعمل على تطويرها.
لكن الهدف ليس الإعلان عن بديل للخلايا الشمسية، وإنما البحث عن طريقة مختلفة للاستفادة من الطاقة، واختبار إمكاناتها وحدودها لمعرفة ما إذا كانت قادرة على تقديم تطبيق علمي مفيد.
وقد علمتني سنوات البحث أن أي فكرة، مهما بدت واعدة، يجب أن تمر بمراحل من الاختبار والتحقق؛ فالحماس وحده لا يكفي، بل لا بد من نتائج قابلة للقياس والتكرار والتطوير.
ماذا يحدث داخل الخلايا الحرارية؟
كيف تشرح فكرة الخلايا الحرارية لغير المتخصصين؟ وما الفرق بينها وبين الخلايا الشمسية التقليدية؟
عندما نتحدث عن توليد الكهرباء من الشمس، تتجه أذهاننا عادةً إلى الخلايا الشمسية التي تستقبل الضوء وتحوله إلى طاقة كهربائية باستخدام مواد مصممة لهذا الغرض.
لكن الطبيعة تتضمن أيضًا إشعاعًا حراريًا غير مرئي، ومن هنا بدأت البحث عن طرق للاستفادة من هذا الإشعاع في توليد الكهرباء من خلال مواد وتصميمات مناسبة.
ويتمثل الاختلاف الأساسي الذي أعمل عليه في طبيعة مصدر الطاقة المستهدف وآلية تحويله إلى كهرباء؛ فالخلايا الشمسية التقليدية تعتمد على الضوء، بينما تستهدف فكرتي الاستفادة من الإشعاع الحراري غير المرئي.
وقد يفتح ذلك مجالًا بحثيًا لدراسة إمكانية توليد الكهرباء في ظروف لا يتوافر فيها ضوء الشمس المباشر، شريطة وجود ظروف حرارية مناسبة وتحقيق كفاءة تحويل مفيدة.
لكن من المهم التمييز بين وجود الإشعاع الحراري في البيئة والقدرة على تحويله إلى كهرباء بصورة فعالة؛ فالنتائج تعتمد على طبيعة المواد والتصميم وظروف التشغيل وآلية التحويل.
لذلك، لا يقتصر العمل على الفكرة النظرية، بل يرتبط بتطوير نموذج وإجراء تجارب وقياسات تساعد على تحديد الأداء الفعلي للتقنية وإمكاناتها.
قراءة بلغت 1.6 فولت.. ماذا تقول النتائج الأولية؟
إلى أين وصلت في تنفيذ الفكرة؟ وهل نجحت في الوصول إلى نموذج تجريبي؟
انتقلت الفكرة من مرحلة التصور النظري إلى العمل التجريبي، إذ عملت على تطوير نموذج من الخلايا الحرارية وأجريت تجارب لقياس الأداء الكهربائي.
ومن بين النماذج التي عملت عليها شريحة يبلغ مقاسها نحو 11 سنتيمترًا، سجلت في إحدى التجارب قراءة جهد وصلت إلى نحو 1.6 فولت. وفي مقارنة أجريتها، سجلت خلية شمسية تقليدية من المقاس نفسه قراءة بلغت نحو نصف فولت.
لكن قراءة الجهد وحدها لا تكفي للحكم على كفاءة تقنية أو القول إنها تتفوق على أخرى. فالمقارنة العلمية تحتاج إلى قياس عوامل أخرى، من بينها التيار الكهربائي والقدرة الناتجة وظروف التجربة ودرجة الحرارة والحمل الكهربائي المستخدم.
وبالنسبة إليّ، تمثل هذه النتائج جزءًا من مراحل التطوير، وليست نهاية الطريق. فهناك حاجة إلى توثيق التجارب وتكرارها في ظروف واضحة، واختبار استقرار الأداء، وتحديد حدود النموذج وإمكاناته بصورة أدق.
وصل المشروع إلى مرحلة من العمل التجريبي، لكن لا تزال هناك اختبارات أحتاج إلى استكمالها حتى أتمكن من تقديم صورة أكثر اكتمالًا عن الأداء والكفاءة والتطبيقات الممكنة.
فقيمة الابتكار لا تكمن في رقم منفرد، وإنما في القدرة على إثبات النتائج بصورة متكررة، والانتقال من النموذج التجريبي إلى مراحل التطوير والتصنيع استنادًا إلى أدلة علمية واضحة.
13 عامًا من العمل.. أين تكمن الصعوبة؟
ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال سنوات العمل على المشروع؟ وما الذي دفعك إلى الاستمرار؟
أعتقد أن التحدي الأكبر يتمثل في الإيمان بفكرة علمية والاستعداد للعمل عليها لسنوات، مع مواجهة صعوبات تتعلق بالإمكانات وإجراء التجارب وتوفير المواد المطلوبة لاستكمال البحث.
أعمل على المشروع منذ عام 2013، واعتمدت بدرجة كبيرة على جهدي وإمكاناتي الذاتية خلال مراحل طويلة. وفي أوقات كثيرة، كنت أحتاج إلى إمكانات معملية ومواد متخصصة لم تكن متاحة بسهولة، وهو ما جعل التقدم في التجارب أبطأ مما كنت أتمنى.
البحث العلمي لا يقتصر على قراءة المعلومات أو إجراء تجربة والوصول إلى نتيجة؛ فقد تفتح كل مرحلة أسئلة جديدة تحتاج إلى وقت وجهد للإجابة عنها.
وكانت النتائج التي أتوصل إليها تمنحني دافعًا للاستمرار، لكنني تعلمت أيضًا أن الإصرار يجب أن يصاحبه استعداد لتعديل المسار إذا أثبتت النتائج العلمية ضرورة ذلك.
فالباحث لا ينبغي أن يتمسك بتوقعاته لمجرد إيمانه بمشروعه، وإنما عليه أن يتمسك بالحقيقة العلمية، وأن يكون مستعدًا لقبول النتائج كما هي.
ولا أزال أرى أن المشروع يستحق استكمال العمل عليه، لكن وفق خطوات علمية تتيح توثيق النتائج وتحديد إمكانات التقنية وتطبيقاتها بدقة.
هل يمكن أن تستفيد الصناعة والزراعة من الخلايا الحرارية؟
ما التطبيقات التي يمكن أن تستفيد من هذه التقنية مستقبلًا، خصوصًا في مصر؟
تمتلك مصر فرصًا في مجال الابتكار، خصوصًا مع احتياج قطاعات الطاقة والصناعة والزراعة إلى تحسين كفاءة استخدام الموارد وتقليل الفاقد.
وبالنسبة إلى الخلايا الحرارية، يمكن دراسة أكثر من اتجاه للتطبيق مستقبلًا، لكن تحديد الاستخدامات المناسبة يجب أن يستند إلى نتائج الاختبارات، لا إلى التوقعات وحدها.
فإذا أثبتت التجارب أن التقنية تحقق أداءً مفيدًا في ظروف حرارية معينة، فقد يكون من الممكن دراسة استخدامها في بعض التطبيقات الصناعية التي تتوافر فيها مصادر للحرارة، خصوصًا إذا أمكن الاستفادة من جزء من الطاقة المهدرة.
ويمكن كذلك بحث فرص استخدامها في تطبيقات صغيرة أو بعض المجالات الزراعية، لكن ذلك يحتاج إلى دراسات فنية واقتصادية تحدد مدى ملاءمة التقنية وتكلفة استخدامها.
لا أريد القول إن الخلايا الحرارية ستحل مشكلة الطاقة في مصر أو ستحل محل مصادر الطاقة الحالية؛ فنجاح منظومة الطاقة يعتمد على تنوع المصادر وتكاملها.
طموحي هو إضافة خيار تكنولوجي جديد إذا أثبتت التجارب جدواه، والعمل على تطويره محليًا بما يتيح فرصًا للمعرفة والتصميم والتصنيع، بدلًا من الاكتفاء باستهلاك التكنولوجيا المستوردة.
التمويل والتعاون البحثي.. ما الذي يحتاج إليه المشروع؟
هل حصلت على دعم من جهات أكاديمية أو بحثية؟ وما الذي تحتاج إليه لنقل المشروع إلى المرحلة التالية؟
خلال سنوات العمل على المشروع، استفدت من التواصل مع أساتذة وباحثين من جامعات مصرية مختلفة. وبحسب ما ذكرته، وصل عدد الأساتذة الذين استفدت من خبراتهم أو ناقشت معهم جوانب من المشروع إلى أكثر من 70 أستاذًا من 17 جامعة، خلال مراحل مختلفة من العمل.
لكن الاستفادة من الخبرات الأكاديمية أو مناقشة المشروع مع متخصصين لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الجامعات تبنت المشروع رسميًا أو شاركت في تطويره.
أؤمن بأن التعاون بين الباحثين والجامعات ومراكز البحث والقطاع الصناعي عنصر مهم في تطوير الابتكارات. فقد يمتلك الباحث فكرة جيدة، لكن الانتقال بها إلى تطبيق يحتاج إلى أجهزة وقياسات وخبرات متعددة في التصميم والتصنيع.
وتتمثل الأولوية الحالية بالنسبة إليّ في استكمال الاختبارات، وتوفير المواد المتخصصة، وإجراء القياسات اللازمة لتقييم أداء التقنية في ظروف مختلفة.
وبعض المواد التي أحتاج إليها مرتفعة التكلفة، خصوصًا مع نفقات الاستيراد والشحن، ما يجعل استكمال العمل بحاجة إلى موارد تتجاوز الإمكانات الفردية.
أنا منفتح على التعاون مع الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الصناعية المصرية، بشرط وجود خطة واضحة تحدد مراحل العمل ومسؤوليات كل طرف وتحافظ على الحقوق المرتبطة بالابتكار.
فالتمويل لا يعني توفير المال فقط، وإنما إتاحة بيئة تساعد البحث على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، بدءًا من استكمال الاختبارات وتقييم النتائج، وصولًا إلى دراسة إمكانية التطبيق والتصنيع إذا أثبتت النتائج جدوى التقنية.
من «العباقرة» إلى البحث العلمي
كيف أثرت مشاركتك في برنامج «العباقرة» والفعاليات العلمية في شخصيتك ونظرتك إلى مستقبلك؟
علمتني كل محطة من هذه التجارب شيئًا مختلفًا، وساعدتني على النظر إلى الأمور من زوايا متعددة.
كانت مشاركتي في برنامج «العباقرة» تجربة مهمة؛ إذ أتاحت لي الظهور أمام قطاع من الجمهور المصري، والمشاركة في مساحة تهتم بتقديم المعرفة والعلوم.
كما كنت حريصًا على توصيل فكرة أن المهتمين بالعلوم ليسوا بعيدين عن المجتمع، وأن الباحث يستطيع التواصل مع الناس بلغتهم ومشاركة أفكاره معهم وتشجيعهم على الاهتمام بالعلم.
وساعدتني المسابقات والمؤتمرات والفعاليات العلمية على تطوير مهاراتي في المناقشة والتعامل مع وجهات النظر المختلفة، والتواصل مع أشخاص من خلفيات وتخصصات متنوعة.
ومن التجارب التي أعتز بها مشاركتي في لجنة الأقاليم والبحث العلمي ببرلمان شباب مصر، إذ ساعدتني على إدراك أهمية ربط المعرفة العلمية بقضايا المجتمع واحتياجات الشباب.
ومع ذلك، أرى أن الإنجاز الأهم هو الوصول بمشروع الخلايا الحرارية إلى نتائج علمية واضحة، وتحويل سنوات العمل إلى تقنية يمكن تقييمها وتطويرها والاستفادة منها إذا أثبتت التجارب جدواها.
مصر لا ينقصها العقول.. لكنها تحتاج إلى الفرص
ما رسالتك إلى الشباب المصري الذين يمتلكون أفكارًا علمية أو ابتكارات، لكنهم يخشون أن تمنعهم قلة الإمكانات من تحقيقها؟
رسالتي إلى الشباب هي ألا ينتظروا توافر الظروف المثالية حتى يبدأوا؛ فهذه الظروف قد لا تأتي دائمًا، لكن ذلك لا يعني الاستسلام أو التخلي عن الأفكار.
بدأت العمل على فكرة علمية من محافظة بني سويف، وواجهت على مدار سنوات تحديات تتعلق بالإمكانات والموارد، ولا تزال أمامي مراحل أحتاج إلى استكمالها.
لكنني لا أريد أن أوصل رسالة مفادها أن الإرادة وحدها تكفي؛ فالبحث العلمي والابتكار يحتاجان إلى المعرفة والتدريب والإمكانات وبيئة تساعد الباحث على التطوير.
أنصح كل شاب لديه فكرة بأن يدرسها بجدية، ويبحث في الدراسات السابقة، ويتواصل مع المتخصصين في مجاله، ويجري التجارب في حدود إمكاناته، ويوثق نتائجه، ويكون مستعدًا للاستماع إلى النقد العلمي والتعامل معه.
وإذا أخبره أحدهم بأن فكرته لن تنجح، فعليه أن يحاول فهم الأساس العلمي لهذا الرأي واختبار فكرته في ضوء النتائج، بدلًا من اتخاذ النقد سببًا لليأس.
كذلك، لا ينبغي ربط النجاح بالشهرة؛ فالمعرفة والخبرة والمجهود الذي يبذله الإنسان تظل قيمة حقيقية، سواء عرفه الناس أم لم يعرفوه.
أتمنى أن يجد كل شاب مصري يمتلك فكرة الفرصة التي تساعده على اختبارها وتطويرها، وأن تتوافر منظومة تدعم الباحثين والمبتكرين منذ المراحل الأولى للفكرة وحتى اختبار إمكانية تطبيقها.
مصر لا ينقصها العقول والطموحات، لكنها تحتاج إلى الفرص والإمكانات التي تساعد أصحاب هذه العقول على تحويل أفكارهم إلى إنجازات حقيقية.