لا تُعد مشروعات التخرج في كليات الإعلام مجرد متطلبات أكاديمية عابرة، بل تمثل في كثير من الأحيان المساحة الأولى التي يختبر فيها الطلاب قدرتهم على الابتكار، وصياغة الأفكار، ومحاولة تقديم محتوى مختلف يعكس طموحات جيل جديد من الإعلاميين، لكن السؤال الأهم يظل مطروحًا: هل تستفيد المهنة فعليًا من هذه المشروعات؟ وهل تجد هذه الأفكار طريقها إلى الاستمرار داخل المؤسسات الإعلامية؟
معيار الاستفادة
يؤكد الكاتب الصحفي وأستاذ الإعلام كارم محمود لـ “القصة”، أن الاستفادة الحقيقية لا تكون من المشروع في حد ذاته، بقدر ما تكون من الطلاب المتميزين الذين يقفون خلف هذه المشروعات.
فالمشروعات القوية، بحسب قوله، تعكس بالضرورة قدرات مهنية ومهارية لطلاب قادرين على دخول سوق العمل بإمكانات حقيقية، وهو ما يفيد مهنة الإعلام بمختلف فروعها، من الصحافة إلى الإذاعة والتلفزيون والعلاقات العامة والإعلام الرقمي.
تحدي الواقع
لكن هذه الصورة الإيجابية تصطدم بواقع أكثر تعقيدًا، فالسوق الإعلامي، وفق كارم محمود، لم يعد قادرًا على استيعاب كل هذه الطاقات، في ظل تراجع توزيع الصحف، وانخفاض نسب مشاهدة التلفزيون والاستماع إلى الإذاعة، مقابل صعود كاسح للإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما أدى إلى تضييق فرص العمل أمام الخريجين، حتى المتميزين منهم.
ورغم إشرافه وتحكيمه لعشرات مشروعات التخرج على مدار أكثر من 12 عامًا، يشير محمود، إلى مفارقة لافتة: لم تتحول أي من هذه المشروعات، رغم تميز كثير منها، إلى تجربة إعلامية مستمرة بعد التخرج.
انسداد المسار
والسبب لا يرتبط فقط بفتور حماس الطلاب أو تفرق مجموعات العمل، بل يعود أيضًا إلى غياب التمويل، وافتقاد الجرأة لدى المؤسسات أو المستثمرين لدعم أفكار خرجت من رحم الجامعة، كما يقول.
ويضيف، أستاذ الإعلام، أن معايير تقييم مشروعات التخرج ترتكز دائمًا على عنصرين أساسيين: جودة الفكرة وقابليتها للاستمرار، مؤكدًا أن كثيرًا من المشروعات تمتلك بالفعل هذه المقومات، لكنها تظل حبيسة الأدراج، بلا فرصة حقيقية للحياة.
هذا الانسداد في المسار المهني يتقاطع مع إشكالية أعمق تتعلق بحرية الصحافة، فبحسب كارم محمود، تعاني حرية الصحافة في مصر معاناة شديدة، سواء من حيث البيئة التشريعية أو مناخ تقبل النقد، فالقوانين، رغم احتوائها على نصوص إيجابية على الورق، لا تُطبق فعليًا، بل تُفرغ من مضمونها عبر القيود والتعديلات، ما ينعكس مباشرة على قدرة الصحفيين والإعلاميين على العمل بحرية، كما يقول.
مواجهة القيود
ولا يتوقف الأمر عند حدود الدولة أو النظام، بل يمتد كما يرى الكاتب الصحفي كارم محمود، إلى داخل الجماعة الصحفية نفسها، التي فقدت في كثير من الأحيان شغف الابتكار والقدرة على المناورة المهنية، خشية الاصطدام بالمحظورات، ورغم ذلك، تبرز تجارب تحاول السير على “الحبل المشدود”، عبر أشكال صحفية جديدة مثل صحافة البيانات، وصحافة الحلول، والصحافة الاجتماعية، باعتبارها محاولات للالتفاف المهني على القيود، مشيرا إلى أن أكبر مثال على ذلك هو موقع “القصة”.
في هذا السياق، تبدو مشروعات تخرج طلاب الإعلام مرآة مكبرة لأزمة أوسع: أفكار مبتكرة تولد في بيئة تعليمية، لكنها تصطدم بواقع مهني خانق، يفتقد الحرية والتمويل والمساحة اللازمة للتجريب.