في دولة تطبق حدًا أقصى للأجور منذ أكثر من عشر سنوات، لا توجد وثيقة رسمية واحدة تخبر المواطن كم يتقاضى كبار مسؤولي الدولة فعليًا من المال العام؟.
رحلة البحث عن رقم
في مصر، لا بيان حكوميا يكشف الأرقام الحقيقة، لا تقرير رقابيا منشورا، لا كشف حساب علنيا يوضح من يخضع للسقف، ومن استثني، وكم يبلغ الدخل الحقيقي بعد البدلات والمكافآت.
هذا التحقيق لا يبحث عن رقم واحد وفقط، بل عن سبب غياب الرقم.
هل نملك حدًا أقصى فعلًا؟
في يوليو 2014، أصدر رئيس مجلس الوزراء القرار رقم 63 لسنة 2014، محددًا الحد الأقصى للأجور في الجهات الخاضعة للموازنة العامة بما لا يتجاوز 35 ضعف الحد الأدنى للأجور، وهو ما تعلنه الحكومة حتى اليوم في صورة رقم ثابت 42 ألف جنيه شهريًا. القرار إداري، وليس قانونًا صادرًا عن البرلمان، ولا يتضمن نصًا تفصيليًا، أو يحدد تعريفًا جامعًا لـ”الأجر” يشمل البدلات والمزايا.
من هنا يبدأ السؤال.. أين الأرقام؟
الجهاز المركزي للمحاسبات هو الجهة المختصة قانونًا بالرقابة على المال العام، لكن رغم اختصاصه، لا ينشر الجهاز حتى الآن تقارير علنية تفصل الدخول الفعلية لكبار شاغلي المناصب، ولا كشوفًا توضح الالتزام بالحد الأقصى للأجور، لا توجد جداول منشورة، لا بيانات محدثة، تفريق واضح بين الأجر الأساسي والدخل الإجمالي.
كيف يتحول السقف إلى استثناء؟
الالتفاف لا الخرق
وفق الباحث والخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني، فإن المشكلة لا تكمن في وجود حد أقصى للأجور من عدمه، بل في أن الاستثناء هو القاعدة.
القرار، بحسب الميرغني، يُطبق على نسبة ضئيلة من العاملين، بينما يخضع أكثر من مليوني موظف حكومي لكادرات خاصة: “القضاء، النيابة العامة، الشرطة، الجهات الأمنية، الهيئات القضائية والرقابية، السلك الدبلوماسي، وبعض الهيئات الاقتصادية والخدمية المستقلة”.
في مساحات مختلفة، لا يخرق السقف بل يعاد تعريف الدخل عبر بدلات بلا حدود، مكافآت، لجان، مجالس إدارات مصروفات “مواجهة أعباء الوظيفة”.
النتيجة حسب تصريح الميرغني لـ”القصة”: “أجر قانوني داخل السقف، ودخل فعلي قد يتجاوزه بأضعاف”.
لماذا؟
الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس تضع يدها على نقطة أخرى في حديثها لـ”القصة”، وهي، حسب رأيها، فإن غياب الإعلان ليس تفصيلة إدارية، بل اختيار. توضح “رمسيس” أن الدولة تعلم أن كشف الدخول الفعلية لكبار المسؤولين سيفتح نقاشًا عامًا حول من يحصل على النصيب الأكبر من المال العام؟.. وهل يتناسب ذلك مع الأزمة الاقتصادية؟.. هل هذه الفئات منتجة أم عبء على الموازنة؟.
وترى حنان أن الدولة -في لحظة اقتصادية ضاغطة – تميل إلى تقليص هذا النوع من النقاشات، والاكتفاء بالإعلان عن الحد الأدنى للأجور، لأنه “الأقل حساسية سياسيًا”.
مصر في المرآة.. ماذا تفعل الدول الأخرى؟
الشفافية كأداة ضبط في لندن
من منظور دولي، من لندن يوضح الخبير الاقتصادي طارق الرفاعي أن الدول التي تطبق سقوفًا للأجور لا تعتمد على رقم مجرد، بل على منظومة إفصاح.
في بريطانيا: الرواتب محددة بالقانون، الجداول تنشر سنويًا، التجاوزات تكشف عبر البرلمان والتدقيق، المشكلة على حد قوله لم تكن في الراتب الأساسي، بل في البدلات والتعيينات الإضافية، وهو ما كشف سياسيًا، على حد تعبير الرفاعي لـ”القصة”.
بينما في فرنسا، يقول: “الإفصاح عن الدخل والأصول إلزامي، والإحراج السياسي أدى إلى تشديد القواعد، في سنغافورة، البدلات مُدمجة في الراتب، الفجوة بين القانوني والفعلي شبه معدومة”.
الخلاصة الدولية، حسب وصف الرفاعي، غياب الإعلان يعني غياب المساءلة.
حين لا يوجد سقف
في المقابل، يشرح الخبير الاقتصادي المغربي علي الغبوري أن المغرب لا يملك سقفًا موحدًا للأجور أصلًا، النظام قائم على سلاليم وتعويضات تختلف حسب القطاعات والمسؤوليات، مع نقاش سياسي متكرر حول العدالة الاجتماعية دون ترجمة قانونية ملزمة.
لكن هذه التجربة، بحسب حديث الغبوري لـ”القصة” تكشف مفارقة مهمة، وهي أن غياب السقف ليس حلًا، كما أن وجوده دون تعريف شامل للدخل العمومي ليس حلًا أيضًا.
حتى في غياب رقم نهائي معلن، يظل السؤال قائمًا: ماذا يعني غياب التطبيق الفعلي؟
الخبراء يتفقون على أن ضبط هيكل الأجور قد يحقق وفرات في الموازنة، والعدالة لا تتحقق دون شفافية، والمشكلة حسب وصفهم ليست في ارتفاع أجر مسؤول، بل في غياب القاعدة العلنية بدون جداول، لا يمكن قياس الفجوة، أو تقييم العدالة أو حتى النقاش على أرض صلبة.
الحد الأقصى للأجور في مصر ليس مشكلة نص قانوني، بل مشكلة كشف حساب، القانون موجود، والرقابة مجهولة، والبيانات غائبة.
وبين قانون بلا إعلان، ورقابة بلا نشر، تتسع فجوة العدالة، ليس السؤال فقط كم يتقاضى المسؤول؟ بل لماذا لا نعلن؟