بعد عامٍ كامل من وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، جاء اغتيال القائد العسكري البارز هيثم علي الطبطبائي ليدقّ ناقوس الخطر ويكسر ما تبقى من وهم الهدوء الهشّ. ففي ٢٣ نوفمبر ٢٠٢٥، استهدفت طائرة إسرائيلية شقّة سكنية مكتظّة في حيّ حارة حريك في الضاحية الجنوبية لبيروت، لتطال الطبطبائي وخمسة مدنيين آخرين. دقائق قليلة كانت كافية لتحوّل الحيّ المكتظّ إلى كتلة من الدخان والصراخ، فيما هرع المسعفون عبر الأزقة الضيقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
إسرائيل وصفت العملية بأنها “ضربة نوعية” ضد حزب الله، معلنة أن الطبطبائي كان يشغل منصب “رئيس الأركان” داخل التنظيم. أمّا حزب الله فأكّد استشهاده دون أن يبادر إلى ردّ فوري، في إشارة واضحة إلى حجم الحسابات المعقّدة داخل قيادة الحزب، وعمق المأزق الذي فرضته هذه الضربة في لحظة يعاني فيها الحزب من ضغوط سياسية وشعبية غير مسبوقة. الاغتيال لا يهدد الهدنة فقط؛ بل يدفع لبنان والمنطقة بأكملها إلى حافة حرب جديدة.
هدنة اسمية.. وتصعيد يومي
رغم إعلان الهدنة في نوفمبر ٢٠٢٤، فإن الجنوب اللبناني يعيش منذ أشهر تحت نار غارات إسرائيلية شبه يومية. أكثر من ١٢٧ مدنياً قُتلوا خلال العام الماضي وفق تقرير لمكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي طالب بتحقيق فوري في الانتهاكات الإسرائيلية، محذراً من “تصاعد خطير” في الهجمات التي تطال منازل المدنيين ومرافق البنية التحتية.
من بين أكثر الضربات دموية، قصف مركز رياضي داخل مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين بثلاثة صواريخ، ما أسفر عن مقتل ١٣ شخصاً، معظمهم أطفال. إسرائيل زعمت أنّ الموقع “مجمّع تدريب تابع لحماس”، لكن شهادات السكان أكدت أنّه لم يكن سوى ملعب مفتوح اعتاد الأطفال اللعب فيه. أمّا حماس فوصفته بـ“الكذبة الفاضحة لتبرير المجزرة”.
ولم يكد المخيم يلتقط أنفاسه حتى تكررت الضربة، فقتل ١٤ آخرون في غارة جديدة بذريعة استهداف “موقع تدريبي”. المشهد نفسه يتكرر جنوباً وشرقاً: منازل تُقصف، عائلات تتشتت، وقرى كاملة تفقد القدرة على الاحتمال.
لبنان تحت النار.. وشعب يترنّح
قبل الهدنة، قتلت إسرائيل أكثر من أربعة آلاف لبناني. واليوم، وبعد مرور عام على الاتفاق، لا تزال الغارات تمزّق القرى والبلدات، وتحوّل حياة الناس إلى كابوس دائم. حكاية إيفانا ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي يتناقَلها اللبنانيون على وسائل التواصل الاجتماعي: كانت عائلتها تستعد للهرب من قريتها الجنوبية عندما أُطلقت الصواريخ؛ دقائق فصلت بين النجاة والموت، لكن المنزل انهار، والذاكرة لم تشفَ بعد.
في مواجهة هذا الوضع، اتهم الرئيس اللبناني جوزيف عون إسرائيل بـ“رفض تطبيق التزاماتها”، مطالباً المجتمع الدولي “بالتدخل بقوة وجدية لوقف الاعتداءات”. كما أعاد لبنان المطالبة بانسحاب إسرائيل من خمس نقاط حدودية لا تزال تحتلها. وتعمل على بناء جدار بمعمق كيلومترين داخل الأراضي اللبنانية مقابل بلدتي مارون الراس وعيترون.
ومع ذلك، تواصل إسرائيل الضغط والتمادي في العدوان، متمسكة بشرط واحد: نزع سلاح حزب الله!
معركة السلاح.. قلب الصراع
إسرائيل والولايات المتحدة تدفعان بقوة نحو فرض نزع سلاح حزب الله، باعتباره جوهر اتفاق وقف النار. واشنطن طرحت خطة “خطوة مقابل خطوة”، تقضي بانسحاب إسرائيل تدريجياً من نقاطها الخمس مقابل مراحل في عملية نزع السلاح. لكن حزب الله رفض العرض رفضاً باتّاً، مؤكداً أن السلاح “مسألة لبنانية داخلية لا يحق لأي طرف خارجي التدخل فيها”.
الحزب شدد مراراً على أنه التزم ببنود الهدنة وسحب قواته من جنوب الليطاني. لكنه في الوقت نفسه حذّر من أن “لكل شيء حدوداً”، في إشارة إلى أن استمرار الاستفزازات الإسرائيلية لن يبقى بلا رد.
من جهته، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صراحة: “لن نسمح لحزب الله بإعادة بناء قدراته العسكرية”. وهو تصريح يعكس بوضوح نية إسرائيل الاستمرار في التصعيد.
حزب الله.. جراحٌ لم تلتئم
اغتيال هيثم الطبطبائي كشف صعوبة الوضع داخل حزب الله. فالتنظيم لم يتعافَ بعد من خسارته أمينه العام التاريخي السيد حسن نصرالله ومعه كبار قادته في سلسلة ضربات إسرائيلية عنيفة ودقيقة سبتمبر عام ٢٠٢٤. اليوم، يجد الحزب نفسه أمام معادلة صعبة: إن ردّ سيدفع لبنان إلى حرب مدمرة؛ وإن سكت يُظهر ضعفاً سياسياً وعسكرياً.
البيئة الشيعية بدورها منهكة، والصحافة اللبنانية تزداد حدة في انتقاد الحزب، فيما يخشى كثيرون من تكرار مشاهد حرب ٢٠٢٤ التي عصفت بالضاحية والجنوب. يقول أحد سكان بيروت بمرارة عن الهدنة مع اسرائيل: “إذا أعطيتهم إصبعاً.. أخذوا الذراع كلها”.
المنطقة فوق فوهة بركان
الخطر لا يقتصر على لبنان. الحدود الشمالية لإسرائيل قابلة للانفجار في أي لحظة، وقد أعلنت قيادة الجيش الإسرائيلي أنها تستعد لـ“مواجهة أوسع”، مع تعزيز الدفاعات الجوية ونشر قوات إضافية. وفي المقابل، قال مسؤولون في حزب الله من موقع اغتيال الطبطبائي إن “جميع الخيارات مطروحة”، ما يعزز المخاوف من مواجهة لا يريدها أحد.. لكنها قد تفرض نفسها.
الأمم المتحدة حذّرت من أن “لبنان يقف على حافة انهيار الهدنة”، مؤكدة أن استمرار القصف يهدد بخلق أزمة إنسانية جديدة، وسط دمار طال منازل ومدارس ومراكز صحية.
ومع نهاية عام ٢٠٢٥، تبدو الهدنة التي كانت بارقة أمل مجرد ظلٍ باهت لاتفاق لم يلتزم به سوى طرف واحد. وبين الاغتيالات والضغط السياسي، وبين إسرائيل التي تواصل القصف وحزب الله الذي يحبس أنفاسه، تقف المنطقة أمام سؤال خطير:
هل نحن أمام أيام أخيرة للهدنة.. أم أمام الساعات الأولى لحرب جديدة؟