أعربت مجموعة ميرسك العالمية عن اهتمامها بعقد اجتماع قريب مع مسؤولي هيئة قناة السويس، لمناقشة الآليات والخطط المتعلقة بعودة سفنها للعبور عبر القناة ومضيق باب المندب، مؤكدة حرصها على اتخاذ قرار استئناف العبور بشكل كامل عبر قناة السويس ومضيق باب المندب، نظرًا لما تمثله القناة من أهمية استراتيجية بارزة لحركة التجارة العالمية.
وتواصل المجموعة دراسة وتقييم التوقيت الأنسب لاستئناف الإبحار في مضيق باب المندب، معتمدةً على مراجعات دورية لمستوى الأمان والاستقرار البحري في المنطقة.
عودة الشركات الكبرى العودة إلى قناة السويس
وقال الدكتور إبراهيم جلال فضلون، الخبير الاقتصادي، إن قرار العديد من الشركات الكبرى، ومنها Maersk ضمن شبكة Gemini وبدائل E-W، بالتحول نحو استخدام طريق رأس الرجاء الصالح أو توسيع نطاقه جاء كاستجابة أمنية واقتصادية للتوترات المتزايدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، موضحا أن الهجمات المستمرة من الحوثيين والتوترات الأمنية في هذه المنطقة دفعت إلى اعتبار خيار رأس الرجاء الصالح بديلًا رغم ارتفاع التكلفة الزمنية والتشغيلية، ويضيف هذا المسار 10-15 يومًا للرحلة، بتكاليف تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات اعتمادًا على حجم السفينة والمسار المستخدم.
وفي تصريحات خاصة لـ “القصة” أوضح، أنه في أكتوبر 2025، شهدت أسواق الناقلات زيادة كبيرة في أسعار الاستئجار اليومية لناقلات النفط مثل VLCC وSuezmax التي وصلت أسعارها الفورية إلى مستويات قياسية، أثرت بشكل مباشر على ارتفاع نولونات النفط مقارنة بغيرها من السفن، كما تضمنت التكاليف الإضافية أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب والعمليات البحرية التي تراوحت ما بين 0.5% و1% من قيمة السفينة.
المخاطر الأمنية والتوترات الإقليمية
أدت الهجمات المتكررة على الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن منذ أواخر 2023، بالإضافة إلى الأزمات السياسية والجيوستراتيجية المرتبطة بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، إلى خلق بيئة شديدة المخاطر للشحن التجاري، جعلت هذه المخاطر شركات التأمين تفرض أقساطًا إضافية لعبور قناة السويس، مما دفع العديد من الشركات لاتباع نهج احترازي وتحويل بعض خطوطها جنوبًا أو زيادة الأسعار لتعويض المخاطر.
التكاليف الاقتصادية والزمنية للطريق البديل
رغم أن مسار رأس الرجاء يُضيف زمنًا إضافيًا للرحلات، إلا أنه يصبح مفضلًا عندما ترتفع تكاليف التأمين والوقود على المسار التقليدي عبر قناة السويس، ويُقدر الفرق في التكاليف التشغيلية لناقلة نفط واحدة كبيرة بحوالي 200-300 ألف دولار إلى مليون دولار في بعض الحالات.
ارتفاع نولونات ناقلات النفط
الزيادة الكبيرة في نولونات ناقلات النفط مقارنة بالسفن الحاوياتية تعود لتقلبات السوق وزيادة الطلب على نقل النفط مع نهاية أكتوبر 2025، وقد تجاوز متوسط الاستئجار اليومي لناقلات النفط مستوى 100 ألف دولار يوميًا للمسارات الرئيسية مثل TD3 (MEG-China)، مما أضاف تكاليف كبيرة لكل برميل نفط نُقل عبر البحار.
بالإضافة إلى ذلك، ارتفاع أجور النقل أثر بشكل مباشر على التدفقات الفورية للنفط بسبب زيادة تكاليف النقل والأمن، مما رفع فروق التسليم بين موانئ المصدر ومناطق الاستهلاك.
استجابة السوق وتأثيرها
توجه بعض الشاحنين نحو إعادة ترتيب خطط النقل أو الاستفادة من تخزين عائم إذا ما كانت ظروف السوق تسمح بذلك، فيما شهدت حركة الملاحة عبر قناة السويس انتعاشًا تدريجيًا اعتبارًا من يوليو وحتى أكتوبر 2025، حيث سجلت القناة عبور 4,405 سفينة بحمولة إجمالية بلغت 185 مليون طن مقارنة بـ 167.6 مليون طن في نفس الفترة من العام السابق.
رغم هذه الانتعاشة النسبية، استمر التحول لبعض الشحنات لمسار رأس الرجاء بسبب قيود السوق وتكاليفه المرتفعة، وفي الوقت ذاته، بذلت هيئة قناة السويس جهودًا تسويقية وأمنية لاستعادة حركة الملاحة وزيادة الثقة عبرها.
أثر القرارات على التكلفة والسوق
زيادة تكاليف النقل قادت إلى ارتفاع تكاليف التسليم لكل برميل نفط، ما أدى بدوره إلى تأثير واضح على فروق الأسعار الإقليمية وحتى الأسعار الفورية للنفط في الأسواق، هذه التحولات تعكس دمج العوامل اللوجستية وتكاليف النقل مع سياسات إنتاج OPEC+ والطلب العالمي لتحديد اتجاه حركة التجارة والطاقة الدولية بشكل عام.

ميرسك لم تغادر قناة السويس
وأكد الدكتور أحمد الشعراوي، الأمين العام للاتحاد العربي للتطوير والتنمية في مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بجامعة الدول العربية، وخبير الإدارة الاستراتيجية، أن قرار شركة “ميرسك” باللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح لا يعد مؤشرًا لفقدان الثقة في قناة السويس، بل هو مجرد استجابة مؤقتة للتوترات الأمنية المتصاعدة في البحر الأحمر.
وأوضح في تصريح خاص لـ”القصة”، أن الشركات العالمية اليوم أصبحت تتخذ قراراتها وفقًا لمفهوم “الأمان التشغيلي” بدلًا من التركيز فقط على الكلفة أو زمن الرحلة، ويحل الأمان والثقة في الممرات البحرية محل الأولوية لمسافة الاختصار، مشيرا إلى أن قوة قناة السويس لا يُقاس فقط بعدد السفن المارة بها، بل بقدرتها على التكيف والصمود أمام التحولات الطارئة.
وأضاف، أن سوق النقل البحري تشهد تغيرًا جذريًا نحو “إدارة الأمان قبل إدارة الربح”، مشيرًا إلى أن تكلفة الخطر باتت تفوق تكلفة الوقود، وهو ما يعزز أهمية الممرات الآمنة مثل قناة السويس التي تتميز بالكفاءة والثقة.
واستطرد الدكتور الشعراوي، أن مصر لا تكتفي برد الفعل إزاء الأزمات، بل تقود تحركات استباقية مثل تطوير أمن الملاحة الإقليمي وتحسين الخدمات والأنظمة لجذب الشركات العالمية وإدارة الملاحة الدولية بذكاء استراتيجي، مؤكدا أن قناة السويس ليست فقط ممرًا تجاريًا عاديًا، بل منظومة متكاملة لإدارة الأزمات الدولية بثقة ومصداقية.
وأشار إلى أن اضطرابات البحر الأحمر تسلط الضوء على أهمية القناة كأحد أهم أدوات الاستقرار الاقتصادي والتجاري العالمي، ومع كل أزمة تثبت مصر مكانتها كضامن رئيسي لتدفق التجارة ومصدر للثقة في سوق النقل العالمي.
في ختام تصريحه، أكد أن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية تعيد تشكيل موازين القوى البحرية عالميًا، مشددًا على أن قناة السويس ستظل المركز المحوري الذي يربط بين الشرق والغرب، ويعزز قوة مصر كعنصر أساسي في إدارة سلاسل الإمداد الدولية بخبرة وثقة اقتصادية راسخة.
من عبقرية الجغرافيا إلى عبقرية الإدارة
وأكد أن قرار “ميرسك” لا يقلل من مكانة قناة السويس، بل يعيد تسليط الضوء على مركزيتها في منظومة التجارة الدولية، العالم يعيد تعريف القوة، لم تعد الجغرافيا وحدها تصنع النفوذ، بل القدرة على إدارة المخاطر، وتحويل الأزمات إلى أدوات تفوق، وفي هذا المعيار، تظل مصر الدولة التي تُدير البحر بعقل المستقبل لا بردّ الفعل.

قناة السويس الأكثر وفرا من رأس الرجاء الصالح
وأوضح الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، أن عزوف بعض التوكيلات الملاحية عن المرور عبر قناة السويس جاء نتيجة للتوترات الجيوسياسية، خاصة الحرب الإسرائيلية على غزة والأحداث المتعلقة بجماعة الحوثيين في مضيق البحر الأحمر، ورغم ذلك، بدأت بعض التوكيلات تعود مرة أخرى إلى استخدام قناة السويس باعتبارها الخيار الأكثر توفيرًا للوقت والتكلفة مقارنة بطريق رأس الصالح.
بالإضافة إلى كونها أقل تكلفة من الطرق البديلة الغربية، تحقق قناة السويس ميزة ديناميكية كبيرة في حركة التجارة العالمية، إذ تمر عبرها أكثر من 15% من هذه الحركة.
وعن زيادة رسوم المرور على السفن العاملة في مجال نقل النفط، فقد أوضح الشافعي، أنها جاءت نتيجة لارتفاع أسعار النفط عالميًا.

وأكد الدكتور إسلام شوقي، الخبير الاقتصادي وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن دراسة شركة ميرسك لعودة سفنها إلى العبور عبر قناة السويس تمثل تحولًا مهمًا في خريطة الملاحة العالمية. وأوضح أن القرار يعكس استعادة الاستقرار النسبي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بجانب نجاح هيئة قناة السويس في تعزيز ثقة الخطوط الملاحية الكبرى من خلال اعتماد حزمة حوافز مالية وسياسات تسويقية مرنة، مما أسهم في إعادة تشكيل مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا.
وأشار شوقي إلى أن عبور السفينة العملاقة CMA CGM BENJAMIN FRANKLIN للقناة، باعتبارها أكبر سفينة حاويات تمر منذ عامين، يظهر مدى الثقة المتزايدة في استقرار القناة كأهم ممر ملاحي دولي، موكدا أن عودة 28 رحلة لسفن متوسطة الحجم ورحلتين لسفن عملاقة يعكس جهود هيئة القناة في جذب شركات الشحن عبر سياسات فعّالة.
وأضاف أن قرار ميرسك بدراسة العودة عبر القناة يرتبط بمعايير اقتصادية أبرزها توفير حوالي 9 آلاف كيلومتر في المسافة، ما يختصر أسبوعين من زمن الإبحار ويقلل التكاليف التشغيلية بملايين الدولارات لكل رحلة، فضلًا عن خفض استهلاك الوقود وتقليل الانبعاثات الكربونية بما يتناسق مع معايير الاستدامة، يأتي ذلك أيضًا متزامنًا مع انخفاض المخاطر الأمنية في البحر الأحمر بعد عام من التوترات، مما عزز موقف القناة كمسار آمن واقتصادي.
وفيما يتعلق برفع الشركة لأسعار النولون على السفن البترولية، أرجع شوقي ذلك إلى ارتفاع تكاليف التأمين على ناقلات النفط نتيجة قابليتها للاشتعال وقيمتها السوقية الكبيرة، وتواجه هذه النوعية من السفن علاوات إضافية للتأمين نتيجة المخاطر المرتبطة بها، كما أن طبيعتها البطيئة واستهلاكها الكبير للوقود تسهم في زيادة تكلفة النقل.
اختتم شوقي، حديثه بالإشارة إلى أن هذا التحول يعكس أهمية الممر الملاحي المصري دوليًا ويؤكد قدرة قناة السويس على المنافسة رغم التغيرات الجيوسياسية، كما يدعم القرار تدفقات النقد الأجنبي للاقتصاد المصري ويعزز دور مصر كمحور رئيسي لحركة التجارة والطاقة عالميًا
