ذات يوم وقعت بين يديّ رسالة ربما لم تجد صوابها حتى اليوم، كتبتها حبيبة بعد فراق حبيبها، كانت تسأله ماذا عليها أن تفعل بدونه، وبصدق شديد كانت تريد معرفة إجابته عن هذا مثلما اعتادت سؤاله عن كل الأشياء التي لا تعرف كيف تتعامل معها، كان يوفر عليها عناء الكثير من البحث والتفكير. ذكرت في خطابها أنه كان بوصلتها وكان رفيقها، أنهيت رسالتها وأنا لا أعرف هل تلقت ردًا لمكتوبها حتى اليوم أم لا.
تساؤل
تركتني هذه الرسالة في تساؤل: لماذا لا نسأل الأحبة عما يمكننا فعله بعد رحيلهم؟ الفراق مؤكد لا مفر منه، نرتعب منه في خيالنا ولكن نخاف التحدث عنه بصوت عالٍ وكأن هذا سيؤكد ما ننكره في عقولنا، لا يمكنك سؤال عائلتك أو ربما صديقك أو أنيس روحك: “ماذا سأفعل بدونك..؟”
تؤكد الأبحاث أن الإنسان لا يعود كما كان بعد الفقد أو الفراق، يحتاج لكثير من الوقت ليعتاد يومه بدون غائبه. في البداية يحيا في دوامة ذكريات لا تنتهي، يحياها في كل دقيقة اعتاد أن يحياها مع هذا الغائب. ربما يحتاج البعض أشهرًا أو سنوات ليعتادوا ذلك، لكن هناك بعض آخر لا يتأقلمون وربما يحيون في خيالهم حكايات لم تكتمل أوقاتًا أطول بكثير.
حينما شاهدت فيلم “ولنا في الخيال حب؟” كانت تلك إحدى الأفكار التي تذكرتها، هذا الفيلم سيجعلك تتساءل: أيحق لمن رحلوا أن تظل أطيافهم حاضرة معنا؟ أيحق لمن تركونا بإرادتهم أن يحتلوا مكانًا في خيالنا أملاً منا في قصة لم تكتمل؟
لوحة فنية رسمتها المخرجة الشابة المصرية “سارة رزيق” في أولى أعمالها عن شاب وفتاة يدخلان حياة دكتور جامعي غامض ومنطوي. ربما تبدو قصة بسيطة هادئة سيعجب بها الحالمون، كما وصفه البعض فيلمًا من عالم ديزني.
إلا أنه كان أكثر من لوحة، فهذا الفيلم أعاد للسينما المصرية ما افتقدته منذ عقود، حملت القصة أكثر بكثير مما تبدو عليه. هل يمكن أن نحيا حبًا في الخيال؟ هذا ما أرادت مخرجة العمل وكاتبته أن تبحث عنه مع صناعه ومشاهديه.
فنجد بطلة الفيلم تحاول استرجاع حبيبها وإن كان بهوية شخص آخر، بينما حبيبها يحيا قصة حب جديدة صنعها في خياله، يتعرف على حبيبته الغامضة من خلال رسائل تكتبها له وإن لم يلتقيا، ويشاركهما الرحلة يوسف، الدكتور الجامعي المنعزل والذي يعيش في خياله حياة فرضت عليه عزلته في الواقع. يطرح أبطالنا الثلاثة في رحلتهم العديد من الأسئلة تتمحور جميعها حول الحب والخيال: هل يمكن أن يجتمعا؟ وإن اجتمعا كم من الممكن أن يكون مرهِقًا ذلك؟ فلا معنى لحكاية الحبيب فيها غائب أو طيف من ذاكرة. في النهاية ستجد أن الحب إن لم نحياه في واقعنا لا قيمة له، فعلى بعض الحكايات أن تظل ذكرى جميلة من الماضي أفضل من أن تسلبنا حاضرنا.
أدهشني الفيلم كثيرًا في اختيار أماكن تصويره، فكانت شوارع القاهرة حاضرة وبقوة وكأنها مكملة لهذه القصة، إضافة إلى اختيار معهد السينما ودار الأوبرا، كانت جميعها أماكن تعبر لنا عن روح القاهرة، مدينة الثقافة والفنون.
أما عن اختيار أبطال العمل فكان ملائمًا بشكل مثير، فلا أظن أن أحدًا آخر كان سيقدر على أن يبكيني مثلما فعل “أحمد صلاح السعدني” وكأن الشخصية صُممت له. وعن “عمر رزيق” ذلك الشاب الموهوب، جعلني وبشكل ما أحب “نوح” بطلنا الرومانسي الذي يجد ضالته دومًا في الحب. بينما أعجبت كثيرًا بشجاعة وردة بطلة العمل التي رفضت أن تنتهي قصة حبها الطويلة بهذه البساطة، كانت مايان السيد موفقة كثيرًا في هذا العمل، بساطتها ونظراتها كانت دومًا تخبرنا بالكثير.
يكتمل الفيلم بموسيقاه العبقرية، والاستعراضات فيه كانت كافية لتكمل هذه اللوحة التي تؤكد لنا أنه ما زال هناك الكثير بعد لتقدمه لنا السينما المصرية بمواهبها الشابة والمتميزة. فيلم ربما نجده في هوليوود بأجواء مشابهة، لكن تظل تلك الروح المصرية الحاضرة في مشاهده وتفاصيله هي ما جعلت منه تحفة سينمائية مميزة.
حينما كدت أفقد إيماني بالحب جاء هذا الفيلم ليهمس لي أن الحب دومًا ما يكون حاضرًا حتى في قلوب بعض من ينكرونه، ربما يؤلمنا ويختبرنا في بعض الأوقات، إلا أنه يظل تذكرة لنا في هذه الحياة نحيا بفضلها حتى وإن لم يكتمل أو ربما تأخر.
فيلم “ولنا في الخيال حب” كان تجربة سينمائية افتقدتها كثيرًا، في تلك المرات القليلة التي ذهبت فيها إلى السينما لا أذكر أنني كنت سعيدة إلى هذا الحد، تلك الحالة ربما كان ينقصها شيء واحد لكنها ستظل مميزة.
بعد نهاية الفيلم يمكنك أن تستمع إلى بهاء سلطان في أغنيته الأخيرة “معايا”، هدية الفيلم الأخيرة لنا، بينما تتمشى في شوارع الزمالك تدندن معه وهو يقول: “يا أجمل حب يا حبيبي” في تعبير لطيف يخبرك أنه ربما تنتهي قصص الحب لكن يمكنها أيضًا أن تظل الأجمل دائمًا.