في إحدى زوايا الحكايات التي لا تُروى إلا همساً، جلس أمامي أسيرٌ فلسطيني محرَّر، يتحدث بصوتٍ خافت كأن كلماته تخشى أن توقظه من رؤيا جميلة. قال لي بنبرة يختلط فيها اليقين بالذهول:
“بخاف أنام.. أحسن ما أصحى وألاقي حالي في السجن كمان مرة.. بجوز كل هالفرجة كانت حلم، وأنا بعدني محبوس جوا الزنزانة”.
كان هذا البطل قد قضى سنوات شبابه خلف القضبان، يقتات على الأمل كما يتغذى الجسد على الهواء. في زنزانته الضيقة، كان يحفظ تفاصيل الضوء من ذاكرته، يرسم الأفق في خياله، ويقول لنفسه كل صباح: “سأخرج يوماً”. عاش سنوات الأسر على وعدٍ لم يتراجع عنه لحظة؛ وعد الحرية.
لكن الغريب أن الخوف الحقيقي لم يبدأ داخل السجن، بل بعد أن نال تلك الحرية.
جدران غير مرئية
تأملتُ وجهه، فوجدت فيه مزيجاً من الطمأنينة والارتباك؛ كأن روحه لم تصدق بعد أنها تجاوزت الأسوار. كانت نظراته تشي بجدران غير مرئية ما زالت تحيط به، رغم أن الأبواب قد فُتحت والسماء صارت قريبة. الحرية بالنسبة له باتت احتمالاً هشاً، يخشى أن يتبخّر مع أول خيط للصباح.
فالأسير الذي أمضى عمراً خلف القضبان لا يغادر السجن تماماً حين يخرج منه، بل يظل شيءٌ منه عالقاً هناك؛ صوته، ظله، وخيالات الأيام التي تُعاد بلا نهاية. هو الآن ينام متأخراً لأن النوم صار خطراً، ويستيقظ مفزوعاً لأن الحلم قد يختلط بالواقع، يبحث في عتمة الغرفة عن الجدار الحديدي أو نافذة الزنزانة، قبل أن يستوعب أنه “بالخارج”.
معركة التصديق
إن هذا الخوف ليس ضعفاً، بل هو امتداد لزمنٍ لم يُغلق بعد. السجن لا يكتفي بسلب السنوات، بل يترك أثره العميق في الروح، يسكن في الذاكرة ويظهر في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. حتى الهواء الطلق يبدو غريباً لمن اعتاد أن يُوزَّع عليه الأكسجين بقدرٍ محدود.
لذا، فإن لحظة التحرر ليست نهاية الرحلة، بل هي بداية لمعركة جديدة؛ لا مع السجان هذه المرة، بل مع “الخوف الساكن” في الداخل. هي رحلة طويلة نحو التصديق:
التصديق بأن القيد انكسر فعلاً.. ولتصديق بأن الشارع الذي يسير فيه لا يُغلق في وجهه.
التصديق بأن الشمس التي رآها في خياله قد أشرقت حقاً هذه المرة، وتلك الحكاية تختصر وجع الأسرى جميعاً؛ حكاية من انتصر على السجن بالجسد، وما زال يقاومه بالذاكرة. رغم حرية الروح التي حافظوا عليها طيلة فترة الأسر.
الدرس الأعمق في وجوههم هو أن الحرية لا تتحقق عند لحظة خروج، بل هي مسار طويل يبدأ بخطوة خارج الزنزانة، ويستمر حتى يطمئن القلب أنه نجا تماماً، وأن الفجر الذي انتظره طويلاً لم يكن مجرد خيال