لم تكن علاقة القضاة والمحامين بالسلطة التنفيذية في مصر علاقة إدارية عادية، بل اتسمت عبر العقود بالتوتر والصراع حول حدود الاستقلال ودور كل طرف في منظومة العدالة.
فقد سعت الأنظمة السياسية المتعاقبة إلى فرض سيطرتها على مؤسسات العدالة، بينما تفاوتت ردود فعل القضاة والمحامين بين المقاومة العلنية أو التكيف الصامت مع الواقع السياسي.
مذبحة القضاة 1969
يعد عام 1969 من أكثر المحطات تأثيرًا في تاريخ القضاء المصري، إذ شهد ما عرف بمذبحة القضاة، ففي 31 أغسطس من ذلك العام، أصدرت السلطة آنذاك قرارات جمهورية بعزل أكثر من 200 قاضٍ ومستشار، إلى جانب حل مجلس إدارة نادي القضاة، بدعوى تبني مفهوم “القضاء الملتزم”.
لم يكن الخلاف قانونيًا بقدر ما كان سياسيًا، حيث دار الصراع بين منطق الحكم القائم على القرارات الثورية، وبين التمسك بالقواعد الدستورية واستقلال القضاء، وأسست هذه الواقعة لسابقة خطيرة تمثلت في إمكانية إقصاء القضاة بقرار سياسي.
وفي الفترة نفسها، تعرض المحامون لضغوط مشابهة، من خلال محاولات السيطرة على نقابتهم ودمجها قسرًا في التنظيم السياسي الحاكم آنذاك، إضافة إلى اعتقال عدد من القيادات النقابية التي طالبت بعودة الحياة الديمقراطية.
عهد مبارك
خلال حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، بدا المشهد أقل صدامية، لكن التوتر ظل قائمًا، فُرضت الحراسة القضائية على نقابة المحامين لسنوات طويلة، ما أدى إلى تقييد دورها السياسي والنقابي، في المقابل برز نادي القضاة كلاعب رئيسي في الدفاع عن استقلال القضاء.
وشهد عاما 2005 و2006 ما عرف بـ”انتفاضة القضاة”، حيث طالب عدد كبير من القضاة بإشراف قضائي كامل على الانتخابات، واعترضوا علنًا على تدخل السلطة التنفيذية في شؤون العدالة، وتحول نادي القضاة بوسط القاهرة إلى مساحة مفتوحة للنقاش السياسي، في سابقة غير معهودة انذاك.
مرحلة حكم الإخوان
مع وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم، تصاعد التوتر وبلغت الأزمة ذروتها عقب صدور الإعلان الدستوري في نوفمبر 2012، الذي حصن قرارات رئيس الجمهورية من رقابة القضاء.
رد القضاة بتعليق العمل في المحاكم، ورفضوا ما اعتبروه تعديًا مباشرًا على استقلالهم. كما شهدت البلاد واقعة حصار المحكمة الدستورية العليا من قبل أنصار الرئيس السابق محمد مرسي، ومنع القضاة من دخولها، في حدث مثّل تصعيدًا خطيرًا في الخلاف بين الحكم آنذاك والسلطة القضائية.
أما نقابة المحامين، فشهدت انقساما داخليًا حادا، إذ أيد مجلس النقابة آنذاك قرارات السلطة، بينما رفض عدد كبير من المحامين هذه المواقف، دفاعًا عن ما اعتبروه مدنية الدولة واستقلال العدالة.
الوضع الحالي: أدوات جديدة للسيطرة
في السنوات الأخيرة، لم تعد العلاقة بين السلطة وجناحي العدالة تقوم على المواجهة المباشرة، بل اتخذت طابعًا تشريعيًا وتنظيميًا.
فقد أسهمت التعديلات الدستورية عام 2019 في تغيير قواعد اختيار رؤساء الهيئات القضائية، وأصبح رئيس الجمهورية هو صاحب القرار في التعيين، ويرأس المجلس الأعلى للهيئات القضائية، ما أعاد تشكيل العلاقة ، وأبعد نادي القضاة عن أدواره السابقة.
أما المحامون، فيواجهون أزمات متعلقة بالمهنة نفسها، أبرزها الخلافات حول تشريعات اقتصادية وتنظيمية، مثل تطبيق منظومة الفاتورة الإلكترونية، ومشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي يرى عدد كبير من المحامين أنه يحد من دور الدفاع ويمنح سلطات أوسع لتقييد عمل المحامي داخل المحاكم.
منذ أحداث 1969 يظل مستوى استقلال القضاة والمحامين مؤشرًا رئيسيًا على حالة النظام السياسي في مصر، فكلما اتسعت دائرة تدخل السلطة، تقلص هامش عمل جناحي العدالة، وهو ما ينعكس مباشرة على سيادة القانون وحقوق المواطنين.