بينما يواصل السوق العقاري المصري تسجيل أرقام قياسية في حجم المبيعات والأسعار، فجّرت تصريحات حديثة عن ارتفاع عدد المطورين العقاريين من نحو 75 شركة إلى ما يقرب من 15.5 ألف شركة خلال عشر سنوات، تساؤلات واسعة حول طبيعة هذا النمو. فهل يعكس ازدهارًا حقيقيًا في القطاع، أم يكشف عن توسع يحتاج إلى تنظيم وتشريعات جديدة لحماية السوق والمستثمرين؟
تضاعف عدد المطورين
بدأ الجدل بعد تصريحات المهندس طارق شكري، رئيس غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، التي أكد فيها أن عدد الشركات العاملة في مجال التطوير العقاري ارتفع بصورة غير مسبوقة خلال العقد الأخير، مدفوعًا بالتوسع العمراني الذي شهدته مصر، خاصة مع إنشاء مدن الجيل الرابع، مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والساحل الشمالي، فضلًا عن ارتفاع معدلات التضخم واتجاه المواطنين إلى العقارات باعتبارها أحد أهم أدوات الحفاظ على قيمة المدخرات.
وتعكس مؤشرات السوق هذا التوسع؛ إذ أظهرت تقارير صادرة عن مؤسسات متخصصة، من بينها ذا بورد كونسالتينج وNawy، أن مبيعات أكبر عشرة مطورين عقاريين تجاوزت 1.05 تريليون جنيه خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، قبل أن ترتفع إلى نحو 1.26 تريليون جنيه بنهاية العام.
وتصدرت مجموعة طلعت مصطفى قائمة المبيعات بقيمة بلغت 324 مليار جنيه، تلتها شركات بالم هيلز وإعمار مصر وماونتن فيو، في مؤشر على استمرار هيمنة الكيانات الكبرى رغم الزيادة الكبيرة في عدد المطورين.
كما سجل متوسط سعر الوحدة السكنية نحو 17 مليون جنيه، بالتزامن مع تراجع المعروض من الإسكان الاقتصادي والمتوسط، واتجاه غالبية المشروعات الجديدة إلى الفئات الأعلى سعرًا، باعتبارها الأكثر ربحية للمطورين.
العقار.. ملاذ آمن للادخار أم خلل اقتصادي؟
يرى الدكتور زهدي الشامي، الخبير الاقتصادي ورئيس مجلس أمناء حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أن الإقبال المتزايد على شراء العقارات لا يرتبط فقط بالحاجة إلى السكن، وإنما يعكس تحول القطاع إلى مخزن للقيمة في ظل تراجع القوة الشرائية للجنيه وارتفاع معدلات التضخم.
وقال، في تصريحات لـ”القصة”، إن غياب الفرص الجاذبة للاستثمار الإنتاجي دفع قطاعًا واسعًا من المواطنين إلى توجيه مدخراتهم نحو العقارات، بدلًا من ضخها في قطاعات مثل الصناعة والزراعة، وهو ما اعتبره أحد مظاهر التشوه في هيكل الاقتصاد.
وأضاف أن البيانات تشير إلى وجود نحو 12 مليون وحدة سكنية خالية، وهو ما يعكس أن نسبة كبيرة من الوحدات يتم شراؤها لأغراض الاستثمار وليس السكن الفعلي.
وأشار إلى أن المشروعات العقارية الحالية تستهدف في الأساس الشرائح الأعلى دخلًا، بينما يظل الطلب الحقيقي لدى الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل بعيدًا عن اهتمامات السوق، مؤكدًا أن الإسكان الشعبي والاجتماعي أصبح يواجه بدوره ارتفاعات كبيرة في الأسعار.
وحذر الشامي من أن استمرار توجيه المدخرات إلى القطاع العقاري على حساب القطاعات الإنتاجية قد ينعكس سلبًا على الاقتصاد، خاصة مع تزايد الحديث عن تباطؤ حركة البيع وصعوبة تسويق الوحدات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن احتمالات تشكل فقاعة عقارية خلال السنوات المقبلة.
هل يحتاج السوق إلى تشريعات جديدة؟
في المقابل، يرى المهندس علاء فكري، نائب أول رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن زيادة عدد المطورين تمثل دليلًا على جاذبية السوق المصرية، لكنها في الوقت نفسه تكشف الحاجة إلى تطوير الإطار التشريعي المنظم للقطاع.
وأوضح، في تصريحات لـ”القصة”، أن لجنة التطوير العقاري أعدت بالفعل مجموعة من المقترحات والتوصيات، ورفعتها إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الإسكان، بهدف وضع قواعد أكثر وضوحًا لتنظيم السوق وضمان استدامة نموه.
وأكد أن استخدام العقارات كوسيلة لحفظ قيمة المدخرات أمر شائع في مختلف دول العالم، مشيرًا إلى أن التغيرات الاقتصادية الأخيرة حققت مكاسب لبعض المستثمرين، لكنها في المقابل تسببت في خسائر لمطورين توسعوا في البيع قبل تغيرات سعر الصرف.
لماذا يتركز البناء في الإسكان الفاخر؟
وأوضح فكري أن تركيز الشركات على المشروعات الفاخرة يرجع إلى السياسات التي اتبعتها الدولة خلال السنوات الماضية، إذ رفعت أسعار الأراضي المخصصة للمطورين، بينما أعلنت أنها ستتولى بنفسها تنفيذ مشروعات الإسكان المتوسط والاجتماعي.
وأضاف أن تحقيق التوازن بين مختلف الشرائح السكنية يتطلب توفير حوافز حقيقية للقطاع الخاص، سواء من خلال إتاحة الأراضي بأسعار مناسبة، أو تقديم مزايا ضريبية وتمويلية، بما يشجع الشركات على التوسع في تنفيذ وحدات تناسب الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل.
وأشار إلى أن غياب هذه الحوافز دفع غالبية المطورين إلى التركيز على المشروعات الأعلى ربحية، في ظل عدم وجود مزايا تشجعهم على دخول قطاع الإسكان المتوسط.
الحوافز بدلًا من الاقتراض
واختتم فكري حديثه بالتأكيد على أن الدولة ليست بحاجة إلى الاقتراض لتنفيذ جميع المشروعات السكنية بنفسها، معتبرًا أن وضع سياسات اقتصادية واضحة وحزمة من الحوافز كفيل بتوجيه استثمارات القطاع الخاص نحو المشروعات التي تستهدفها الدولة، بما يحقق التوازن داخل السوق ويخفف الأعباء عن الموازنة العامة.
هل تكفي زيادة عدد المطورين؟
تكشف آراء الخبراء أن الأزمة لا تتعلق بزيادة عدد المطورين العقاريين في حد ذاتها، وإنما بكيفية تنظيم السوق وتوجيه الاستثمارات. ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أن العقارات أصبحت الملاذ الأكثر أمانًا للادخار، يحذر آخرون من استمرار تركيز الاستثمارات في الإسكان الفاخر على حساب الوحدات التي يحتاجها أغلب المواطنين، وهو ما يجعل مستقبل السوق مرتبطًا بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين جذب الاستثمارات وتوفير سكن ملائم لمختلف الشرائح.