تتعدد أنظمة التعليم الدولي في مصر، ولكل نظام تسعيرة خاصة، لا يوجد هيكل قانوني واضح لتحديده، لكن ارتفاع المصروفات كل عام بمعدلات كبيرة، لا سيّما خلال السنوات الخمس الماضية، التي تعرض فيها الجنيه لتقلبات كبيرة أمام الدولار، وهنا رفعت من أصوات أولياء الأمور، وتعالت تساؤلاتهم حول تلك الزيادات، فضلًا عن الاشتراطات التي تضعها المدارس في قوائم الـ “سبلايز” التي تضعها كل مدرسة حسب رغباتها، رغم أنّ المصروفات التي يدفعها أولياء الأمور من المفترض أن تشمل كل تلك الأمور.
تعليمية أم ربحية؟
أميرة صابر طفلة قدمت لها والدتها في بداية هذا العام الدراسي في إحدى المدارس الخاصة، وقالت لـ” القصة”: بعد سداد المصروفات، فوجئت بقائمة طويلة من الطلبات، وذلك بعد التقديم والقبول ودفع جميع المصروفات.
وأضافت: أرسلت لي الإدارة قائمة طويلة من المشتريات (السبلايز)، وكل نوع من ماركة بعينها حددوها مسبقًا واشترطوا ألّا تكون من غيرها، وحين أخبرتهم أنّ هذه الطلبات من المفترض أنّها مدرجة ضمن المصاريف التي سددتها بالفعل، أخبروني أنّ هذا ما يفعله كل أولياء الأمور، وهذا نظام المدرسة”
شكاوى أولياء الأمور
تتعالى الشكاوى منذ سنوات، بسبب رفع المدارس الخاصة أسعارها كل عام، دون توضيح آلية ذلك، أو حتّى توضيح آلية من وزراة التربية والتعليم التي من المفترض أن تخضع تلك المدارس لإدارتها، وهو ما يثير الشك والريبة حول قدرة تلك المؤسسات التي تضع أهدافها الربحية في المقام الأول، بحسب أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، الدكتور تامر شوقي، تعتري تلك المدارس مبالغات كبيرة في الأسعار التي تتزايد عامًا تلو الآخر، وحتّى لو حددّت الوزارة آلية للتسعير تقوم إدارات المدارس بالإلتفاف عليها، حتى لا تخضع لمساءلات الوزارة، وتضمن تعاظم أرباحها.
ويضيف في حديثه مع موقع القصّة: “تعتمد تلك المدارس على تغيير المعلمين باستمرار للتهرب من رفع رواتبهم السنوية التي يكفلها القانون، وتقوم بتسريح المعلمين كل عام، وطلب أساتذة جدد والتعاقد معهم على أقل الأسعار، وهذا يؤثر جذريًا على العملية التعليمية وجودة ما يتلقاه الطلاب”.
يؤكد شوقي أنّ دور المدارس الخاصة مهم وفعّال في تخفيف الضغط على قطاع التعليم الحكومي، وبالفعل هناك مدارس جيدّة تلتزم بمعايير جودة التعليم من حيث كثافة الفصول، وما إلى ذلك، لكن الكثير أيضًا يلتّف على تلك المعايير، ولا يحاول سوى تعظيم ربحه.
أزمة التعليم الحكومي
تواجه جودة التعليم الحكومي في مصر تحديات معقّدة تمتد بين نقص الموارد وارتفاع الكثافة الطلابية وتفاوت مستويات البنية التحتية بين المدارس. ورغم الجهود الحكومية المستمرة لتحسين المناهج وتطوير تدريب المعلمين وإدخال التكنولوجيا في العملية التعليمية، ما زالت الفجوة قائمة بين السياسات والتطبيق العملي داخل الفصول.
ومع ذلك، يظل التعليم الحكومي ركيزة أساسية في توفير فرص التعلم لملايين الطلاب، ويعتمد تحسين جودته على الاستثمار المستدام، ورفع كفاءة المعلمين، وتعزيز بيئة تعليمية داعمة تُشجّع على الإبداع والتفكير النقدي، لكن الفجوة التي تتسع عامًا بعد العام بين طلاب التعليم الحكومي والخاص، تظّل مرهونة باستعادة نظام التعلم الحكومي كفاءته عبر تطوير آليات التعلّم والأساتذة، وهذا في حد ذاته، يظل رهينة لموازنة الدولة العامة داخل قطاع التعليم، بحسب ما يوضح أستاذ مساعد القيم والأخلاق بجامعة القاهرة، الدكتور محمد كمال، والذي يؤكد على تراجع مستمر تشهده مؤسسات التعليم الحكومي، رغم رفع الدولة للموازنة المخصصة للتعليم، غير أنّ تلك الزيادة لم تعد كافية بالشكل الذي يحقق الأهجاف المنشودة.
و يضيف كمال في حديثه مع القصّة: “السبب الرئيسي في تزايد أعداد المدارس الخاصة بمختلف أشكالها، الإهمال والتردي الذي طال مؤسسات التعليم الحكومي، وأنّ الجميع مسؤل عن هذا التردي، الوزارة والمجتمع والأساتذة، وفي النهاية يضطر من لديه القدرة المالية على تعليم أولاده في مؤسسات خاصة، بحثًا عن جودة تعليم وتربية أفضل.
في تقييم شامل لمؤشر المعرفة لعام 2021، حصلت مصر على ترتيب 53 من أصل 154 دولة ضمن المؤشر العام، ما وضعها في مرتبة رائدة بين دول ذات تنمية بشرية مرتفعة.
مؤخرًا، أظهر مؤشر Global Knowledge Index الصادر بالتعاون بين United Nations Development Programme (UNDP) ومؤسسة محمد بن راشد للمعرفة — أن مصر احتلت المركز 79 عالميًا في بند التعليم قبل الجامعي عام 2023، بعد أن كانت في المرتبة 83 في عام 2020. ربما يعكس هذا التقدم تحسنًا ملموسًا في أداء النظام التعليمي، خلال السنوات القليلة الماضية، في نفس الوقت تظل المدارس الحكومية تفتقد عوامل أساسية في القلب من عملية التعلم، أولها كثافة الفصول الدارسية، وقلة عدد المعلمين، وحتّى تدريب جيد لمن هم داخل المؤسسة من قبل.
هذه الأرقام تُشير إلى أن مصر رغم التحديات المعروفة أحرزت تقدّمًا في مؤشرات التعليم العام (قبل الجامعي) مقارنة بتصنيفات سابقة، ما يدل على وجود جهود “تحسين ملموس” على مستوى السياسات والبنية التحتية التعليمية، لكنها لم تحدث بعد النتيجة المرجوة.