في ظل التطور التكنولوجي السريع الذي يشهده العالم، ومع ظهور أنواع جديدة للاستثمار والادخار، برز ما يُعرف بـ”الجمعيات الرقمية” الإلكترونية، التي ظهرت كبديل للجمعيات التقليدية، وانتشرت بشكل كبير على مستوى العالم، وكأي ظاهرة جديدة، أحدثت هذه الجمعيات ضجة بين مؤيدين للتطور ومحبين للخصوصية، وبين معارضين يتخوفون ويحذرون من المخاطر المادية المحتملة.
وفي هذا الصدد، يلقي موقع “القصة” الضوء على تجربة أحد الشباب مع هذه الجمعيات الإلكترونية، ويعرض الآراء حول الجمعيات الإلكترونية، ومميزاتها وعيوبها، وكيفية البعد عن مخاطرها وخسائرها المادية، من وجهة نظر بعض الخبراء من داخل مصر وخارجها.
اطمئنان وثقة
يقول “شريف عادل”، شاب عشريني من محافظة قنا جنوب صعيد مصر، مشاركاً تجربته مع الجمعيات الإلكترونية إنه في بداية الأمر تعرف على الجمعيات الإلكترونية من خلال إعلان على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك، وكان هذا الإعلان عن تطبيق ماني فيللوز، وبعد البحث عنه، اتضح أنه يتمتع بشهرة واسعة، وأنه شعر بالاطمئنان لأن هذا التطبيق مدعوم من البنك المركزي، ويخضع للهيئة العامة للرقابة المالية.
بعد ذلك، حمل التطبيق على هاتفه الشخصي، وسجل بياناته كاملة، وحدد المبلغ، وكان 30 ألف جنيه”.
ويشير إلى أن الخطوات بعد التسجيل كانت كالتالي: أولاً: تواصل معه مندوب وطلب منه صورة بطاقة سارية، وتم توقيع عقد بينهم يشمل عدة بنود، من أهمها أن الشركة ملتزمة التزاماً تاماً بتسليم المبلغ المتفق عليه في المواعيد المحددة، حتى لو تخلف بعض المشتركين عن الدفع.
كما أشار إلى أن المندوب أثناء إمضاء العقد التقط صورة شخصية حية أثناء التوقيع.
ويروي قائلاً إن تجربة الجمعية الإلكترونية في بداية الأمر كانت مخيفة، ولكن بعد ذلك انخرط فيها، واشترك في أكثر من جمعية، وكانت مشاركة إيجابية بالنسبة له، إذ يرى أنها تتمتع بمميزات عديدة، منها الخصوصية، لأن المشتركين فيها من أماكن مختلفة ومتباعدة، على عكس الجمعيات التقليدية التي تعتمد بشكل أساسي على الأقارب والمعارف.
كما يشير إلى أن من مميزاتها سرعة الوصول إليها، وسهولة التسجيل عليها بمساعدة خدمة العملاء التابعة للتطبيق، وإمكانية الادخار عليها، فكلما كان مبلغ الادخار أكبر، كلما زادت النسبة بشكل أكبر، أما عن العيوب، فيشير إلى أنه يتم خصم رسوم إدارية قد تصل إلى 10% من المبلغ الكلي.
تجربة ناجحة
وبسؤاله عن طريقة الدفع، قال إن الدفع يتم في أي وقت من بداية الشهر إلى نهايته، وهناك طرق دفع متعددة، منها التحصيل المباشر من خلال المندوب، أو من خلال خدمة فوري للمدفوعات الإلكترونية، أو عن طريق بطاقات الائتمان، أو المحافظ الإلكترونية.
وفي نهاية الحديث، قال إن تجربته مع الجمعية الإلكترونية كانت ناجحة، وكررها أكثر من مرة، وحصل على المبلغ المحدد في وقته، وينصح بها.
إعادة هندسة للعادات
أما عن آراء الخبراء حول الجمعيات الإلكترونية، فيتحدث الدكتور “هشام سليم الناطور”، المتخصص في التطوير التكنولوجي وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى “القصة”، معرفاً في بداية حديثه الجمعيات الرقمية على أنها “إعادة هندسة للعادات الاجتماعية الموجودة سابقاً باستخدام التكنولوجيا والتطبيقات الحديثة”.
ويؤكد أنها من أهم الوسائل المالية الموجودة حالياً بين الناس والأفراد، خاصة ذوي الدخل المتوسط، حيث تعتمد الجمعيات عادةً على المعارف والنطاق الجغرافي المحدود، ولكن التطبيقات الإلكترونية أو الرقمية كسرت هذا الحاجز، ووسعت الدائرة، مع ضمانات أعلى، وتنظيم مالي أفضل.
وبسؤاله عن سبب لجوء الناس إلى هذه الجمعيات الإلكترونية، من وجهة نظره، أشار قائلاً: “إن أسباب اللجوء إلى هذه الجمعيات هي عدم وجود فوائد في بعض التطبيقات، وهذا عامل مهم يجعل الناس تفضل الابتعاد عن الفوائد البنكية لأسباب قد تكون دينية أو مالية”، وأن الشخص الذي يريد الانضمام إلى جمعية أو قرض يفضل عدم دفع فوائد، لأنه في الأساس يحتاج إلى المال، بالإضافة إلى ذلك، هناك سهولة وسرعة في إجراءات الانضمام إلى الجمعيات الإلكترونية، مقارنة بالمعاملات البنكية التي تتضمن بيروقراطية وإجراءات إدارية.
ويشير “هشام” إلى أن المرونة في الاستخدام هي ميزة أخرى، حيث يمكن للشخص اختيار الدور أو الادخار حسب الخطة.
مخاطر ومحاذير
أما عن المخاطر، يوضح “الناطور” أن هناك مخاطر تواجه هذه الجمعيات، مثل توقف أحد الأعضاء عن الدفع بعد استلام دوره، والأمن السيبراني، وحماية بيانات المستخدمين المالية والاحتيال ممكن أن يحدث عبر تطبيقات كاملة تنصب على الناس، وتختفي بعد جمع الأموال، لذلك، يجب أن يكون هناك إطار قانوني قوي ينظم هذه الجمعيات، ويضمن حقوق المشتركين، ويجب على الجهات المعنية وضع قوانين تضمن حق المشترك في حال إفلاس التطبيق أو تعثر الأعضاء الآخرين.
كما يشير “الناطور” إلى تعزيز التجربة باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الائتمانية للمستخدمين، وتقييم التزاماتهم بدقة أكبر، وهذا سيساهم في فتح مجال للخدمات الأخرى والإضافات لهذه التطبيقات والخدمات الإلكترونية.
وفي النهاية، يقول “الناطور” إن الجمعيات الإلكترونية تمثل تطوراً مهماً في مجال الخدمات المالية، ولكنها تحتاج إلى رقابة صارمة، وضمانات لحماية المستخدمين وتحقيق الاستفادة القصوى منها.
فرصة للاستثمار والادخار
وفي هذا السياق، يوضح الدكتور “محمد علي”، خبير في الاقتصاد الرقمي، أن الجمعيات الإلكترونية تمثل فرصة كبيرة للاستثمار والادخار في عصر التكنولوجيا.
ويشير إلى أن هذه الجمعيات توفر مرونة عالية وسهولة في التعامل، مما يجذب الكثير من الشباب والمتعاملين الذين يبحثون عن بدائل أكثر فعالية للاستثمار.
لكنه من جهة أخرى، يحذر “علي” من المخاطر المحتملة المرتبطة بالجمعيات الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق بالأمان المالي، وحماية البيانات الشخصية.
ويؤكد على أهمية وجود رقابة قانونية صارمة، وقوانين تحمي حقوق المتعاملين في حالة حدوث أي مشاكل أو إفلاس للشركة.
ويشير ناصحاً إلى أن التثقيف المالي والإلكتروني هو المفتاح لتجنب المخاطر، وتحقيق الاستفادة القصوى من هذه الفرص الاستثمارية الجديدة
وفي الختام، يمكن القول إن الجمعيات الإلكترونية، وإن كانت تمثل أداة جديدة تتكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة، إلا أنها من الممكن أن تصبح سلاحاً ذا حدين إن لم تخضع لرقابة قانونية صارمة، وقوانين تضمن حقوق المتعاملين في حالة إفلاس الشركة أو تصفيتها. لذا، يجب على الجهات المعنية وضع إطار قانوني قوي يحمي حقوق جميع الأطراف المعنية، ويضمن استدامة هذه الجمعيات وتحقيق أهدافها”.