كثيرًا ما نسأل أنفسنا عن سر نجاح وازدهار هيئات ومؤسسات بعينها وفشل وإخفاق أخرى؟!! إن النجاح المستمر لا يأتي من فراغ لهذه المؤسسة أو الشركة أو الهيئة، فلا يمكن لشجرة أن تُستَنبت في الهواء، فضمان نجاح هذه أو تلك واستمرارها دون توقف مرهون بعناصر معلومة قبل الإنشاء وعند التشغيل الفعلي وبعده، فما قبل هناك الفكرة ودراسة الجدوى وفلسفة الرؤية واستطلاعات الرأي والقياس، ولا يتم الشروع في التنفيذ إلا بعد الاطمئنان لمفردات المرحلة القبلية، وأثناء التنفيذ هناك عنصر المتابعة الدقيقة والملاحظة والمراقبة، وبناءً على ما يُستَجَدّ من أمور فيها عن طريق تقارير المتابعة التي تظهر اعوجاجًا أو اضطرابًا في الأداء فتكون المرحلة ما بعدية، والتي تتم بصورة دورية لازمة وبأسلوب متناهٍ في الدقة، وذلك من خلال استطلاعات رأي الجمهور المُستَهدَف أو المُستَهلِك، ويتم هذا الاستطلاع وفق أحدث وأدق الوسائل والأدوات، فكلما تم الاستطلاع بأسلوب دقيق خالٍ من التحيز والتدليس كانت النتائج صادقة وواضحة، وحينئذٍ تكون مرآة صادقة تمكّن إدارة المؤسسة – إذا ابتغت النجاح – أن تعيد النظر في أمور المؤسسة وتسارع بإصلاح المسار وتقويم الاعوجاج دون مكابرة أو تخاذل.
فإذا علمنا ذلك كله ونظرنا إلى تلك الحال التي عليها التليفزيون المصري العريق، بكل قنواته الفضائية والأرضية والمحلية والمتخصصة، فسوف نشك بقوة في كل فلسفة قام من أجلها وفي كل هدف يرمي إليه، ومن المؤكد أن هناك غيابًا لاستطلاعات الرأي الدقيقة والنزيهة التي ترافق أداءه، فلو توفرت هذه الاستطلاعات وتوافرت بدأب وصدق وشفافية، وتأكدت جدية المسؤولين في الأخذ بتوصياتها وتفعيلها سريعًا، لما كانت عليه الحال الحاضرة من عوار وعيوب وتردٍّ.
فاستطلاع الرأي الذي تأخذ به أجهزة الإعلام التي تبث محتواها ورسالتها إلى الشعب، وهو الجمهور المستهدف والمستهلك والذي يتعرض لهذا البث بمحض إرادته، هو كما يراه العاملون في هذا المجال أداة بحثية فنية لجمع وتحليل آراء الجمهور المُتَلقي حول موضوع محدد في وقت معين، تهدف إلى توجيه صُنّاع القرار بهدف تطوير المنتجات والخدمات وقياس الرأي العام وتقييم رضا المشاهدين عبر إحصاء دقيق وموضوعي، يقومون تبعًا له بالحذف والتعديل، بدلًا من ثبات الرؤية وجمودها وسطحية المحتوى وفقره وتدنيه.
فلدينا في مصر قنوات أرضية وفضائيتان تقريبًا وثماني قنوات محلية واثنتا عشرة قناة تخصصية، يعني في نهاية الأمر أن لدينا حوالي أربعًا وعشرين قناة تلفازية!!! لا أظن أن أحدًا من جمهور المشاهدين في مصر يتابع هذا الكم من القنوات، بل أزعم أن الغالبية منها لا تكاد تحقق نسبة من المشاهدة تدعم وجودها وتجد لها الحق في البقاء، فهل يشاهد المصريون قناة التنوير والنيل الثقافية أو الزراعية أو الأسرة والطفل أو القنوات المحلية الثمانية؟
إن الأكثرية من الجمهور تنصرف إلى القنوات الفضائية الخاصة وتولي لها اهتمامًا، بينما تعطي ظهرها متبرمة ومعترضة في صمت على تلك القنوات التي تعاني من قطيعة جماهيرية واسعة النطاق. إن التوسع في كم هذه القنوات يلحق الضرر الحتمي برسالة مصر الإعلامية وليس كما يظن البعض في أهميتها ونفعها، إنها مظهر جلي من مظاهر إهدار المال العام وضعف المحتوى.
إن المسؤولين لم يفطنوا بعد أن برامج البودكاست وغيرها من المستحدثات الإعلامية تنافس بقوة في الساحة الإعلامية وتسحب البساط من تحت أقدام محطات تلفازية محنطة في توابيت مُحكَمَة لا يطرأ عليها التبديل والتغيير والتطوير، أصابت المشاهد بالملل والنفور.
فلماذا لا نغير فلسفتنا التليفزيونية ونعيد النظر فيها بالدمج والحذف والتعديل بحيث نركز ذلك كله في أربع قنوات على الأكثر، تتوفر لها الإمكانيات المادية والإنتاجية لتقدم محتوى جديرًا بالمشاهدة والمتابعة؟ ومن المقترح دمج قنوات (نايل سينما ونايل دراما والنيل الثقافية والتنوير) في قناة واحدة، ودمج قنوات (الأسرة والطفل والتعليمية والزراعية وماسبيرو زمان) في قناة ثانية، ثم دمج قنوات (نايل سبورت والنيل للأخبار ونايل تي في والوثائقية) في قناة ثالثة، بحيث نقوم بتقطير دقيق لما تبثه هذه القنوات وننتقي منها ما هو جدير بالمشاهدة وفق استطلاعات الرأي والوقوف على الوقت الأمثل لبث كل محتوى.
أما القنوات المحلية الثمانية فيمكن تقليصها إلى ثلاث قنوات هي (شمال الوادي) و(جنوب الوادي) و(شرق وغرب الوادي)، وربما بهذا التكثيف لهذه القنوات بالدمج والإلغاء تعطي فرصة لتجويد المحتوى وترفع درجة التنافس بين العاملين بها. ولا أجزم بأن ما أطرحه هو الأجدى، ولكن يمكن لصناع القرار الوصول إلى التقييم الصحيح (إذا أرادوا) من خلال استطلاعات الرأي بدقة متناهية وشفافية وتحويل نتائج هذا الاستطلاع وتوصياته إلى واقع مرئي، وإلا ستبقى هذه القنوات في أركان بعيدة ليس لها نفع كبير كما يتوهم البعض.
وفي اعتقادي أن ما حلّ بالتلفاز من كوارث هو نتيجة حتمية لتغييب استطلاعات الرأي الدقيقة عبر سنوات طويلة تراكمت فيها السلبيات، في الوقت الذي ظهرت فيه تليفزيونات ومحطات أخرى في أقطار شقيقة بمظهر قوي جدير بالإقبال عليها، فهل نشعر بالقلق ونعيد النظر في هذا الشأن؟!