ألقتْ الظروف الاقتصادية الطاحنة بظلالها الكثيفة والكئيبة معا على كلِّ جوانب الحياة، فصار ما كان متاحا بالأمس أمنية ورفاهية اليوم، وهو ما يجعلني والكثيرين نتحسر على زمن فات.
عقب آذان ظهر أحد أيام الأسبوع الفائت، خرجتُ أوسعُ الخطى نحو بيت أخي الأكبر، وصديقي الأعز أ. محمد سليمان المحامي الضليع، الذي نشأتْ بيني وبينه مؤخرا صداقةٌ وشيجة، نمَّاها اتفاقُ الميول والأهداف.
وأؤكد ـ هنا ـ أنه لا يخلو مجلسُنا سويا، بحضور العديد من العامة والخاصة، من مناقشة قضية فكرية، أو حكمٍ فقهي، يؤول إليَّ فيهما لواءُ القول بحكم تخصصي، فيما يؤول إليه مسارُ الحديث، إذا خضنا في دهاليز القوانين وقضايا المحاكم، فيصول ويجول؛ لتضلعه في هذا الميدان حقيقة!
في لقائنا آنف الذكر، ناقشنا العديد من القضايا، ورسى سفينُ حديثنا على شواطئ مشكلات عدة شارَكَنا في نقاشها مهندسُ التبريد والتكييف الظريف محمد المصري، وهو شخصٌ بارع في حلّ المشكلات العرفية، ومتمكنٌ في ردّ المطلقة وجلب الحبيب، أكثر من براعته في هندسة التبريد والتكيف، التي هو بارعٌ فيها حقيقة.
وبراعة المصري في حلّ مشكلات الأسرة، جعلته «قطَّاعا» لأرزاق عدد من المحامين، ومنهم سليمان، فيما يتعلق بقضايا الأسرة، فما إن يوكَّل أحدهم لتطليق زوجة عن زوجها، بعد استحالة العشرة بينهما، حتى ينتفض المصري مذعورا، ويوفّق بينهما؛ ليعودا «سمنة على عسل»؛ بفضل جهود المصري ونيته الحقيقية في الإصلاح!
استضافنا أ. سليمان عقب هذه الجلسة الدسمة بالآراء في محل كشري وحلواني «الحسين» لصاحبه الحاج «خالد الحوالي»، وهو صنيعي محترف من أبناء قرية «العبادلة»، أساتذة صناعة الكشري في مصر كلها، فما من محل ذائع الصيت، إلا وأخذ الحرفة عن أبناء العبادلة، الذين ورثوها كابرا عن كاب.
على طاولة جلوسنا «الاستنلس» جيء لنا بإبريق به ماء مثلَّج، ، وأوصى النادل بأربعة أطباق «جامبو». نزلت الطلبات على الطاولة، تفوح منها رائحةٌ منعشة، ويعلوها حمص الشام، والبصل المحمص «الورد»، كما نزلت أطباقُ الصلصة و«شطة» الزيت، والتي أضفنا منها قليلا فصفَّرت آذاننا، وتصببت جباهنا عرقا، ورشحت أنوفنا من فرط اللذة.
في غمرةِ تلك اللذة، لفتت انتباهي قائمةُ الأسعار المعلَّقة أمامي، وجنَّ جنوني بعدما وجدت «الكمالة» بـ ١٥ جنيها، وكانت قديما تنزل «كادو» بعد الطلب، وصار لها اليوم سعر، وحقا: «وكلُّ نافقة يوما لها سوق».
اجترّ حديثُنا ذاكرة أ. محمد سليمان، فقصَّ علينا أنه خرج من المدينة الجامعية يوما بصحبة رفاقه: شرف الشيخ، وهو مستشار قانوني له وزنه الآن بوزارة المالية، ومجدي أبو توت رحمه الله، وآخرين، وقضوا سحابةَ يومهم في شوارع القاهرة، فاشتد بهم الجوع، وآووا إلى محل كشري؛ ليسكتوا كلب الجوع، الذي هيج أحشاءهم، وسألوا عن أسعاره، قبل نزول الطبات، فأُخْبِروا بأن الطلب المخصوص بجنيه، وأنّ الكمالة بـ«بلاش»، فقال شرف الشيخ لصاحب المحل: هات 3 «كمالة»، فردَّ: بعد الطلب يا خفيف!
رغم الطرفة، إلا أن اللافت -عزيزي القارئ-أن الفوارق الاجتماعية لم تكن ملحوظة بالأمس، كما هي اليوم، وأنّ الجنيه المصري، برغم أنّه كان عزيزا، إلا أنّ قيمته كانت كبيرة، أما اليوم فهوى إلى أسفل سافلين، وهو ما يؤكد سوء التخطيط من قبل مسئولي الاقتصاد في مصر، ممن نسمع منهم صباح مساء «جعجعة» ولا نرى طحينا.
والسؤال هل سيجد المواطن حلا لتك الأزمات الاقتصادية، أم أنّه سيبقى ينعي حظه، ويعضّ أنامله من الغيظ بعدما صارت «الكمالة» بـ 15 جنيها ؟!