لم تعد أم عبدالله، البالغة من العمر 47 عامًا، تذهب إلى السوق وهي تفكر فقط في احتياجات منزلها، وأصبحت تحسب قبل كل عملية شراء ما يمكنها الاستغناء عنه، وما تستطيع تأجيله، وما لن تقدر على دفع ثمنه مهما بحثت عن بدائل أرخص. تقف أمام السلع التي اعتادت شراءها، تقارن الأسعار وتتنقل بين المحال، لكنها تكتشف في كل مرة أن الأموال التي تحملها لم تعد تكفي لتوفير احتياجات أبنائها، وأن ميزانية المنزل التي كانت تدبر بها أمورها لم تعد تصمد أمام الزيادات المتلاحقة.
تقول أم عبدالله إن كل زيادة في سعر الدولار تجد طريقها سريعًا إلى الأسواق، لتنعكس على أسعار السلع، بينما تظل دخول الأسر على حالها، وهو ما يجعل رحلة الشراء أكثر صعوبة يومًا بعد آخر. وتضيف أنها كثيرًا ما تقضي وقتًا طويلًا في البحث عن منتجات أقل سعرًا، لكنها تعود أحيانًا إلى منزلها دون شراء ما تحتاج إليه، بعدما تجد أن المصروف اليومي لم يعد قادرًا على تغطية أبسط المتطلبات.
وتصف ربة الأسرة ما تعيشه بأنه معاناة تتجاوز حدود ارتفاع الأسعار، قائلة إن «الغلاء يأكل في أجساد الناس وسيطر على كل شيء»، وإن أكثر ما يؤلمها أن يطلب منها أبناؤها الطعام أو احتياجاتهم اليومية، فلا تستطيع توفيرها بسبب ارتفاع تكلفتها.
وتختتم حديثها بمناشدة للمسؤولين: «أسأل الله أن يرحمنا من هذا الغلاء الفاحش، وأرجو من المسؤولين أن يلحقونا مما نحن فيه.. فما أصعب أن يطلب منك أبناؤك الأكل ولا تستطيع تقديمه لهم لأنه أصبح فوق طاقتك».
لكن معاناة أم عبدالله ليست الصورة الوحيدة للأزمة؛ فبينما تحاول الأسر محدودة الدخل توفير احتياجاتها الأساسية، تبحث شرائح من الطبقة المتوسطة عن وسيلة لحماية ما تبقى من مدخراتها، بعدما تراجعت القوة الشرائية للجنيه وأصبحت الأموال التي جرى ادخارها على مدار سنوات أقل قدرة على مواجهة ارتفاع الأسعار.
وفي هذا السياق، ظهرت سبائك الذهب ذات الأوزان الصغيرة، التي تبدأ من ربع جرام، باعتبارها خيارًا متاحًا أمام أصحاب المدخرات المحدودة، الذين لم تعد لديهم القدرة على شراء جرامات كاملة. وهكذا أصبح بعض المواطنين يحاولون اقتناص أجزاء صغيرة من الذهب، ليس بالضرورة لتحقيق أرباح، وإنما للاحتفاظ بقيمة ما يستطيعون ادخاره قبل أن تتآكل بفعل التضخم.
وبين أسرة تعجز عن استكمال قائمة مشترياتها، وأخرى تبحث عن ربع جرام ذهب، تتضح الفجوة المتزايدة بين الدخول والأسعار، وتتحول تقلبات الدولار من أرقام في سوق الصرف إلى عبء مباشر على حياة المواطنين.
الأموال الساخنة والتوترات العالمية.. لماذا يرتفع الدولار؟
يفسر حمدي الجمل، الخبير المصرفي، ارتفاع الدولار بمجموعة من العوامل الخارجية والداخلية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية، وزيادة أسعار النفط والطاقة عالميًا، واضطرابات سلاسل الإمداد، فضلًا عن حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي وارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأوضح الجمل، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن هذه التطورات تدفع المستثمرين إلى التحوط، وهو ما يؤثر على حركة رؤوس الأموال، مشيرًا إلى أن خروج الأموال الساخنة يمثل أحد الأسباب الرئيسية للضغوط المتكررة على سوق الصرف المصرية.
وأضاف أن الاعتماد على هذه التدفقات يجعل الدولار عرضة للتقلبات، إذ يؤدي دخول الأموال الساخنة إلى زيادة المعروض من العملة الأجنبية، بينما يتسبب خروجها مع تصاعد المخاطر في ارتفاع سعر الدولار، معتبرًا أن هذه المشكلة تحتاج إلى معالجة جذرية، بدلًا من تكرار الاعتماد على تدفقات قد تغادر السوق مع أول أزمة.
وأشار الجمل إلى أن توفير الدولار لا يرتبط بقرارات البنك المركزي وحدها، موضحًا أن زيادة الموارد الدولارية تتطلب نمو الصادرات، وتحسن إيرادات السياحة، وتعافي عائدات قناة السويس، باعتبارها مصادر أساسية للنقد الأجنبي.
ولفت إلى أن البنك المركزي لا يصدر الدولار، وإنما يتعامل مع المعروض المتاح من خلال أدوات السياسة النقدية، بينما تظل السياسة الاقتصادية مسؤولة عن تعزيز موارد الدولة من العملة الأجنبية وزيادة قدرتها على توفير احتياجاتها.
رفع الفائدة بين دعم الجنيه وزيادة أعباء الدين
وعن إمكانية رفع أسعار الفائدة لمواجهة ارتفاع الدولار، يرى الجمل أن القرار يحمل جوانب متعارضة؛ فمن ناحية، قد يؤدي رفع الفائدة إلى زيادة جاذبية الادخار بالجنيه وتقليل الاتجاه إلى الدولار، كما قد يشجع عودة الاستثمارات قصيرة الأجل، لكنه من ناحية أخرى يرفع تكلفة الدين المحلي ويزيد الأعباء على الموازنة العامة للدولة.
وأوضح أن كل زيادة في سعر الفائدة تنعكس على تكلفة الاقتراض الحكومي وخدمة الدين، مشيرًا إلى أن التعامل مع التضخم يتطلب موازنة دقيقة بين دعم العملة المحلية وتجنب زيادة الأعباء المالية.
وأضاف أن ارتفاع الدولار ينعكس بصورة مباشرة على الأسعار، لافتًا إلى أن بعض السلع شهدت زيادات تقدر بنحو 20%، وفق تقديره، رغم وجود مخزونات لدى التجار جرى شراؤها قبل أشهر.
وانتقد سرعة استجابة بعض التجار لارتفاع الدولار من خلال زيادة الأسعار، مقابل عدم تراجعها بالوتيرة نفسها عند انخفاضه، معتبرًا أن ضعف الرقابة على الأسواق يسمح باستمرار هذه الممارسات ويزيد الأعباء على المستهلكين.
واختتم الجمل حديثه بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري يتأثر بالتوترات الخارجية وارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد، إلى جانب الاعتماد على الاستيراد في توفير جانب كبير من الاحتياجات، منتقدًا عدم الاستعداد الكافي لمواجهة مثل هذه التطورات.
ربع جرام ذهب.. ملاذ أصحاب المدخرات الصغيرة
ومع تراجع القدرة الشرائية للجنيه، أصبح الذهب حاضرًا في حسابات شرائح من المواطنين، لكن ارتفاع أسعاره دفع الشركات إلى طرح سبائك بأوزان صغيرة تبدأ من ربع جرام، حتى يتمكن أصحاب المدخرات المحدودة من الشراء وفقًا لقدراتهم المالية.
ومن جانبه، يرى أسامة زارعي، خبير المعادن الذهبية والفضية، أن المستويات السعرية الحالية قد تمثل فرصًا للشراء، لكنه يفضل انتظار قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لمعرفة اتجاهات السوق، مشيرًا إلى أن مستويات تتراوح بين 3800 و4000 تمثل، بحسب تقديره، مناطق مناسبة للشراء.
وأوضح زارعي، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، أن تسعير الذهب في مصر يتأثر بعدة عوامل، تشمل سعر الأوقية عالميًا، وسعر الدولار مقابل الجنيه، إلى جانب العرض والطلب داخل السوق المحلية.
وأشار إلى أن تحركات الدولار أصبحت ذات تأثير واضح على أسعار الذهب، موضحًا أن ارتفاع العملة الأمريكية قد ينعكس على سعر الجرام بنحو 50 إلى 70 جنيهًا لكل جنيه زيادة في الدولار، وقد يصل التأثير في بعض الحالات إلى 100 جنيه.
وأضاف أن السوق المحلية تشهد انفصالًا في بعض الأحيان بين حركة الأسعار المحلية والعالمية، معتبرًا أن تحركات العملة أصبحت العامل المحوري في تحديد أسعار الذهب داخل مصر.
توقعات عيار 21 عند 8100 جنيه
وفيما يتعلق بمستقبل الأسعار، أوضح زارعي أنه إذا وصلت أوقية الذهب عالميًا إلى مستوى 4800 دولار، فقد يرتفع سعر جرام الذهب عيار 21 إلى نحو 8100 جنيه، وفقًا لحساباته وتقديراته.
وحذر من أن ارتفاع الذهب يمثل مؤشرًا سلبيًا بالنسبة للمواطن الذي لا يمتلك فوائض مالية، متوقعًا احتمال وصول التضخم إلى 14% أو تجاوزه، ومشيرًا إلى أن تحركات الجنيه تعكس جانبًا مهمًا مما يحدث في الأسواق.
وعن البدائل المتاحة أمام أصحاب المدخرات الصغيرة، قال إن الشركات بدأت طرح سبائك بأوزان مختلفة تبدأ من ربع جرام ونصف جرام وجرام واحد، بما يتيح للمواطنين شراء الذهب بمبالغ أقل.
وفي المقابل، أشار إلى أن صناديق الاستثمار في الذهب ليست جميعها على الدرجة نفسها من الكفاءة، وأن بعض الصناديق لا تمثل أدوات استثمارية جيدة، وهو ما يتطلب من المستثمرين دراسة البدائل المتاحة قبل اتخاذ قرار الشراء.
ارتفاع الدولار ينتقل من سوق الصرف إلى موائد المصريين
ومن زاوية اقتصادية، يرى الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي، أن ارتفاع الدولار ينعكس على أسعار الذهب والسلع نتيجة تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية، موضحًا أن المواطنين يتجهون إلى الذهب والدولار باعتبارهما من الأدوات التي يمكن الاحتفاظ من خلالها بالقيمة في أوقات التضخم.
وأشار عبده، في تصريحات خاصة لـ«القصة»، إلى أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة تمثل أحد العوامل التي تضغط على الاقتصاد المصري، خاصة مع احتمالات اتساع المواجهات وتأثر حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وما قد ينتج عن ذلك من ارتفاع أسعار النفط وتكاليف النقل والشحن.
وأضاف أن اضطراب حركة التجارة قد يؤثر على إيرادات قناة السويس، فضلًا عن زيادة تكلفة الواردات، وهو ما يضع موارد الدولة من العملات الأجنبية أمام ضغوط إضافية.
ولفت إلى أن خروج الأموال الساخنة يمثل عاملًا آخر في تراجع المعروض من الدولار، موضحًا أن هذه الاستثمارات تتحرك سريعًا بحثًا عن عوائد أعلى أو أسواق أقل مخاطرة عند تصاعد الأزمات.
وقدّر عبده خروج نحو 10 مليارات دولار مع بداية الأزمة، مع زيادة التدفقات الخارجة لاحقًا، معتبرًا أن ذلك أدى إلى اختلال العرض والطلب على العملة الأجنبية وزيادة الضغوط على سوق الصرف.
فاتورة الاستيراد تزيد أعباء الأسر
وأوضح الخبير الاقتصادي أن ارتفاع الدولار يجعل الواردات أكثر تكلفة، وهو ما ينعكس على أسعار السلع المحلية، خاصة المنتجات التي تعتمد على مدخلات مستوردة، مشيرًا إلى أن زيادة أسعار البترول تمتد آثارها إلى النقل والإنتاج والخدمات، وبالتالي تصل إلى المستهلك النهائي.
وحذر من أن استمرار هذه الضغوط يهدد بتراجع مستويات المعيشة واتساع دائرة الفقر، خصوصًا بين أصحاب الدخول المحدودة والطبقة المتوسطة التي تتقلص قدرتها على الإنفاق والادخار مع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وشدد عبده على ضرورة تبني سياسات نقدية ومالية استباقية لحماية دخول المواطنين، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع الأزمات بعد وقوعها، مؤكدًا أهمية وضع خطط واضحة ومستقرة لمواجهة المتغيرات الخارجية وتقليل انعكاساتها على الحياة اليومية.
وبينما تتعدد تفسيرات الخبراء لأسباب ارتفاع الدولار والذهب، تبقى النتيجة واحدة في حياة المواطنين: دخول لا تلاحق الأسعار، ومدخرات تتآكل، وأسر تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها مع كل زيادة جديدة.
فأم عبدالله لا يعنيها حجم الأموال الساخنة التي خرجت من السوق بقدر ما يعنيها أن تعود من السوق بما يكفي احتياجات أبنائها، بينما يحاول آخرون حماية مدخراتهم بشراء ربع جرام ذهب. وبين الحالتين، يظل السؤال الأهم: متى تتحول الإجراءات الاقتصادية إلى حلول قادرة على حماية القوة الشرائية للمواطنين، ووقف تآكل دخولهم، وضمان ألا تصبح لقمة العيش عبئًا يفوق قدرة الأسر المصرية؟