كم نسأل أنفسنا سؤالًا ممتزجًا بالدهشة والحيرة والغرابة: هل نحن سعداء؟ ومع أنه سؤال تبدو إجابته بديهية، مستمدة من واقع إنساني اجتماعي ملموس، يفيض علينا بما فيه من موبقات كارثية، إلا أن المرء لا يكاد يصدق من فرط ما يعتوره من ذهول واستغراب!! لقد اختفت الضحكات الصافية من القلوب، وعلا العبوس وجوه الناس، حتى يتسرب إليك إحساس عميق، بل يقين، بأننا ولدنا هكذا.
فالفرحة باتت طارئة من الطوارئ، والأمان صار ضربًا من ضروب المستحيل، والآمال مرهونة بواقع يعشش فيه اليأس في كل زواياه، والأماكن ضاقت بأهلها، والروائح العطنة من أثر الفساد زكمت كل الأنوف، والصخب والضوضاء أصمَّ آذاننا، لقد انقلب كل شيء إلى نقيضه، فقد حل نعيق الغربان محل تغريد البلابل، واستُبدلت وجوه الذئاب الماكرة بوجوه الإنسانية الراضية، وبدل أسراب الحمام والعصافير هناك أسراب الخفافيش والعقبان، لم نعد نعيش في كنف أخلاق القرب والمودة، أخلاق الحارة والقرية، صرنا نعيش في الأماكن الخبيثة مهما بدت نظيفة في ظاهرها، مرتفعة في أبنيتها، إنها أماكن لا نشعر إزاءها بارتياح، إنه القلق العاطفي الذي يكمن في نفوسنا نحو أولئك الذين لم يعودوا يشبهوننا، إنه مجتمع كابوسي شرير يأكل فيه أقوياؤه لحم ضعفائه في نشوة غامرة، مجتمع منقسم تمايزي طبقي انعزالي، مجتمع الطبقة الخاصة، ذات المدن المغلقة على أصحابها، وبأسوارها العالية التي تحجب رؤية ساكنيها عن عيون الآخرين.
إن هذا المجتمع الكابوسي الديستوبي ليس نتاج يوم وليلة، لكنه مجتمع تشكل عبر أجيال وأجيال على مهل وفي هدوء، مثل أفعى خرجت من نفقها وأخذت تزحف حتى حاصرتنا ونحن في غياب تام، ولم ننتبه إلا وهي تغرس أنيابها فينا، إنه مجتمع استهلاكي بامتياز، حوّل أصحابه إلى أوثان خشبية باردة المشاعر، خاوية من العواطف والأحاسيس، مجتمع يعيش على التنميط والتحديد ووضع الفواصل، مجتمع يعشق المظهرية والتملك، يقتله جنون الاستهلاك المستمر، وصار ذلك ديدنًا له، لا يعرف لماذا يشتري؟ ولماذا يستهلك؟ لأنه مجتمع الطبقة المتعالية المتخمة بالوفرة، مجتمع فاقد للتذوق وفاقد للهوية، فهو مجتمع الخواء الروحي والإشباع الغرائزي الحيواني، مجتمع الكتلة الحديدية المتشابكة القائم على التجبر والاستقواء على الضعفاء وإقصائهم خارج أسوار حساباتهم اللاإنسانية.
إننا نعيش متجاورين مع مجتمعات الحداثة بكل تمثلاتها، أولئك الساكنون والعائشون في الكينونات النافرة من غيرها، أولئك الذين تحولوا إلى حالة من التشيؤ المادي الخاوي من كل القيم الروحية والمبادئ الإنسانية، لم يعد أحد يشعر في هذا المجتمع بحريته واستقلاليته حقًا، إنه يشعر بحالة استلاب منظم لكيانته الاجتماعية وحقوقه الأساسية.
إننا نتوقع بلطجيًا في كل شارع وحي، وقاطع طريق في كل شبر، إنه مجتمع، على حالته الراهنة، تسيطر على النسبة العظمى من أهله مشاعر الخوف والهلع والقلق من الحاضر والقادم، مجتمع مؤهل للتناحر الاجتماعي الصريح، مجتمع يتجاوز فيه الخاصة وأهل الحظوة القوانين كما لو كانوا يستمتعون بهذه اللعبة ليطفئوا كل أمل في الإصلاح وتحقيق العدالة، إننا إزاء مستقبل شديد القتامة، ومن ثم يعوزنا السياسات العملية الجادة السريعة التي تنتشلنا من تلك الهموم التي صارت تلازمنا ليلًا ونهارًا، إننا نريد حكومة تراعي فينا حجم المعاناة التي فاقت كل الحدود وتجاوزت كل الخطوط، حكومة صادقة اللهجة والتوجه، تخطو بنا خطوات تؤكد لنا حرصها على هذا الوطن الذي يخيم اليأس على أبنائه من مستقبل مجهول لشبابه.
إن كل حكومة من حكومات العالم المتمدين الذي يخضع أصحابه لنظام ديمقراطي سليم ويتمتع فيه الشعب بحريته، تسهر هذه الحكومات على تحقيق أفضل حياة اجتماعية لمواطنيها، أما نحن هنا فالحلم بالمستقبل السعيد بات لنا من ضروب المستحيل.