تتجدد مخاوف المهتمين بالتراث العمراني مع كل واقعة هدم تطال مبنى تاريخيًا، بينما تتصاعد في المقابل آمال جديدة مع مشروعات التطوير التي تشهدها بعض المناطق التراثية في مصر.
وبين الهدم من جهة ومحاولات الإحياء من جهة أخرى، يظل السؤال قائمًا حول مستقبل المباني ذات القيمة المعمارية، وما إذا كانت الجهود الحالية كفيلة بإنقاذ ما تبقى من ذاكرة المدينة.
غياب ثقافة الوعي بقيمة التراث لدى بعض الملاك
في تعليق موسع حول وضع المباني التاريخية خلال السنوات الماضية، أوضحت الدكتورة سهير حواس، أستاذة العمارة والتصميم العمراني بقسم الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة، لـ”القصة” أن المشهد لم يكن مظلمًا بالكامل، مشيرةً إلى وجود صحوة واضحة في مجال الحفاظ على التراث، تمثلت في مشروعات الترميم وإعادة التوظيف، إلى جانب إطلاق مسابقات لأفضل ممارسات الحفاظ على التراث العمراني.
ولفتت إلى أن مشروعات وسط البلد تعد من أبرز النماذج الجيدة في هذا الاتجاه، حيث تشهد المنطقة جهودًا لحماية مبانيها التاريخية وإحياء استخدامها.
ورغم ذلك، أكدت “حواس” أن حالات الهدم ما زالت قائمة، وإن كانت أقل مما سبق، لكنها تعكس في المقام الأول غياب ثقافة الوعي بقيمة التراث لدى بعض الملاك الذين يسعون إلى الهدم لتحقيق مكاسب سريعة، وضربت مثالًا بما شهدته مدينة المنصورة مؤخرًا من هدم قصر إسكندر قبل يومين فقط، معتبرةً الأمر خسارة كبيرة لا يمكن تبريرها.
وأعربت “حواس” عن أملها في أن تتراجع الجهات المسؤولة عن هدم مبنى هندسة السكك الحديد في ميدان رمسيس، مضيفةً أن استمرار التفكير في هدمه سيحرم القاهرة من مبنى ذي قيمة معمارية وتاريخية مهمة.
وفيما يتعلق بقصر شامبليون، أكدت أنه مُسجَّل أثر ولا يجوز الاقتراب منه أو ترميمه إلا وفق ضوابط الآثار، مشيرة إلى أن مشكلته الأساسية تتعلق بالملكية، تمامًا مثلما حدث مع قصر البارون سابقًا، إذ احتاجت الدولة إلى سنوات لحل نزاع الملكية وتعويض الورثة قبل تحويله إلى متحف.
استخدام غير ملائم
وشددت على ضرورة حل أزمة ملكية قصر شامبليون عبر التعويض أو أي آلية قانونية مناسبة، مؤكدة أنه غير قابل للهدم تحت أي ظرف.
وفيما يخص قصر الدوبارة وغيره من القصور التي استخدمت مدارس، أوضحت “حواس” أن هذا الاستخدام غير ملائم تمامًا للقيمة التاريخية والمعمارية لتلك القصور، لافتة إلى أن إنشاء فصول داخل الحدائق، ودهان الجدران بطريقة غير متخصصة، وتغطية الرسومات التاريخية في الأسقف، كلها ممارسات تُحدث تشويهًا مباشرًا.
وأشارت إلى أن المشكلة ذاتها طالت قصورًا أخرى مثل قصر علي عبد اللطيف بميدان سيمون بوليفار، وقصر وزارة التربية والتعليم، حيث أضيفت مبانٍ داخل الحدائق التاريخية، الأمر الذي يفقد القصور شخصيتها الأصلية.
ودعت حواس إلى إخلاء القصور من المدارس والجهات الإدارية ونقلها إلى مقار بديلة، مع إزالة الإضافات الحديثة غير الملائمة التي شيدت داخل الحدائق، مؤكدة أن هذه الإضافات هي ما يحتاج إلى الهدم، وليس المباني التراثية ذاتها.
دخول القطاع الخاص
أما عن عمارة ليون وبهلر في وسط البلد، فأوضحت “حواس” أن المنطقة تخضع حاليًا لخطط تطوير تتم على مراحل بسبب صعوبة توفير الموارد المالية دفعة واحدة.
وأضافت أن العمل جارٍ حاليًا في شارعي قصر النيل وطلعت حرب ضمن مشروع طويل الأمد لإحياء وسط القاهرة، مشيرة إلى دخول القطاع الخاص عبر منصة بلس للمساهمة في أعمال التطوير.
وأكدت أن الحياة التجارية والثقافية بدأت تعود تدريجيًا، مع إعادة فتح بعض المقاهي والمطاعم ومحال البيع، إلى جانب عودة النشاط لعدد من السينمات مثل سينما راديو وسينما قصر النيل.
واختتمت “حواس” بالإشارة إلى أن مشروع إحياء وسط البلد مسألة وقت، مؤكدة أن العمل مستمر وأن النتائج الحالية تُبشّر بعودة المنطقة إلى رونقها التاريخي تدريجيًا.
قصر إسكندر
وقصر إسكندر الذي عرف بالقصر الأحمر، كان يعد من أحد أبرز المباني التراثية في المنصورة، إذ تميز طرازه القوطي النادر في مصر، شيد عام 1920 على يد الخواجة الفريد دبور فوق مساحة تقارب 514 متراً، ويتكون من برج وثلاثة طوابق تحيط بها حديقة واسعة.
بعد وفاة مالكه الأخير رزق إسكندر في ثمانينيات القرن الماضي وسفر أسرته، ترك القصر مهملاً وتعرض للسرقة والتخريب، حتى تحولت ساحته إلى وكر للبلطجة وانتشرت حوله قصص خيالية عن الأشباح.