1- طبيعة الصراع.. ولماذا فنزويلا ومادورو؟
في الساعات الأولى من يوم الثالث من يناير الجاري، بدأت تتداول أخبار غير مؤكدة حول اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس.
في البداية بدت الأخبار أقرب إلى الشائعات، لكن مع تزايد المؤشرات حول صحتها، تحولت سخريتنا إلى دهشة ثم غضب، خاصة مع الإعلان الرسمي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن توجيه ضربة لفنزويلا واعتقال رئيسها ونقله إلى الولايات المتحدة تمهيدًا لمحاكمته.
هذا التطور يفرض تساؤلات مهمة: لماذا فنزويلا؟ ولماذا مادورو تحديدًا؟ وما طبيعة الصراع الممتد بين واشنطن وكاراكاس؟
تقع جمهورية فنزويلا على الساحل الشمالي لقارة أمريكا الجنوبية، ويقل عدد سكانها عن 30 مليون نسمة، إلا أن ثقلها السياسي والاستراتيجي لا يرتبط بالمساحة أو بعدد السكان، بل بامتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، أي ما يقارب 17% من الاحتياطي العالمي. هذا العامل وحده يفسر جانبًا كبيرًا من المحاولات الأمريكية المستمرة لكسر حالة الرفض وفرض نفوذها على فنزويلا، ويشكّل خلفية أساسية لفهم الصراع الدائر حولها.
تاريخيًا، لم تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا توترًا حادًا إلا مع وصول الرئيس الراحل هوجو تشافيز إلى الحكم عام 1999. قبل ذلك، كانت المصالح الاقتصادية، وعلى رأسها النفط، تحكم العلاقة بين الطرفين. غير أن تشافيز تبنّى نهجًا اشتراكيًا وسياسيًا مستقلًا، رافضًا الخضوع للهيمنة الأمريكية أو التفريط في ثروات بلاده، وأعلن صراحة معارضته للسياسات الأمريكية في المنطقة، إلى جانب بناء تحالفات دولية مع قوى كبرى كروسيا والصين.
مع هذا التحول، بدأت الأزمات تتصاعد؛ دعمت واشنطن محاولات انقلابية ضد تشافيز وفشلت، وتلتها محاولة الاعتراف برئيس آخر غيره وفشلت أيضًا. تدهورت العلاقات الدبلوماسية، وبدأت أمريكا محاولات الحصار وفرض عقوبات اقتصادية متتالية، ترافقها اتهامات معتادة تتعلق بالديكتاتورية ودعم عصابات تهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية، وهي اتهامات جاهزة استُخدمت مرارًا لتبرير الضغوط السياسية الأمريكية والتدخلات الخارجية تحت شعارات نشر الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان، وحماية الأقليات، وغيرها.
بعد وفاة تشافيز في مارس 2013، تولى نيكولاس مادورو الحكم عقب فوزه في الانتخابات الرئاسية، وسار على النهج ذاته، ما أدى إلى تصعيد الضغوط الأمريكية وزيادة العقوبات والحصار الاقتصادي. ورغم ذلك، حاول نظام مادورو الصمود في مواجهة هذه الضغوط، معتمدًا على شرعية انتخابية، ومحاولًا خلق تحالفات دولية قوية تُقدِّر استقلال قرار بلاده ولا تحاول التأثير في مواقفها السياسية أو التحكم في ثروتها النفطية، وذلك في ظل أزمة اقتصادية خانقة فاقمتها العقوبات الاقتصادية الأمريكية على فنزويلا.
العملية العسكرية التي انتهت باعتقال مادورو وزوجته، والإعلان عن إدارة أمريكية انتقالية لفنزويلا، والأهم إعلان ترامب الحصول على ما يُقدَّر بـ50 مليون برميل من النفط الفنزويلي لصالح الولايات المتحدة سنويًا، تُظهر حقيقة لا تحتاج إلى بينة: الهدف الأساسي من وراء الادعاءات الأمريكية هو السطو على أهم الموارد الطبيعية في فنزويلا، أي النفط.
2- البوصلة الحاكمة لموقفنا وموقعنا
إذا أردنا فهم العرض السريع لتاريخ الصراع السياسي والاقتصادي بين البلدين باعتباره صراعًا لفرض النفوذ وبحسابات المصالح، فقد يُقال إننا لسنا طرفًا فيه، ولا ناقة لنا فيه ولا جمل. لكن هناك اعتبارًا أخلاقيًا وسياسيًا يلزمنا بالانحياز، قبل تناول الموضوع بهذا القدر من السخرية والسطحية التي شهدناها عبر بعض الصفحات والمنصات، للأسف.
لا يمكن فهم طبيعة الصراع بمعزل عن السياسات الخارجية الحاكمة لفنزويلا، فيما يتعلق بقضيتنا المفصلية وبوصلتنا في الحكم على أي موقف سياسي، وهي القضية الفلسطينية.
ففي عهد هوجو تشافيز ثم نيكولاس مادورو، كان موقف فنزويلا واضحًا وقويًا تجاه القضية الفلسطينية بالدعم والمساندة، بوصفها إحدى أبرز قضايا التحرر في العصر الحديث. وهنا لا يمكن الفصل؛ فهي القضية المفصلية في تحديد انحيازنا بوضوح تجاه أي طرف في مثل هذه الصراعات.
منذ وصوله إلى الحكم عام 1999، اتخذ هوجو تشافيز موقفًا صريحًا داعمًا لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، واعتبر الاحتلال الإسرائيلي امتدادًا للمشروع الاستعماري الغربي. وفي يناير 2009، عقب العدوان على غزة، أعلنت فنزويلا طرد السفير الإسرائيلي وقطع العلاقات مع تل أبيب، في موقف كسر الصمت الدولي آنذاك. واستمر تشافيز في إعلان دعمه لفلسطين مستخدمًا مصطلح «الاحتلال الإسرائيلي» دون غيره.
لم يتغير هذا النهج بعد وفاة تشافيز عام 2013؛ إذ واصل نيكولاس مادورو السياسة ذاتها، فأدانت فنزويلا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة في أعوام 2014 و2018 و2021، وكذلك حرب الإبادة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بعد طوفان الأقصى، ورفضت تبريرها بذريعة الدفاع عن النفس، مؤكدة دعمها لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس.
ومن هنا، يصبح استهداف فنزويلا جزءًا من صراع أوسع مع دول رفضت الاصطفاف في الخندق (الأمريكي – الإسرائيلي) وحلفائهما، واتخذت موقفًا واضحًا من الاحتلال الصهيوني وسياسات الهيمنة الأمريكية، في الوقت الذي بلغ فيه صمت كثير من الأنظمة العربية حدّ التواطؤ، ووصل ببعضها إلى التطبيع العلني ودعم دولة الكيان لوجستيًا وعسكريًا.
3- حضور بلطيم وغياب القاهرة
في ظل هذا الالتزام الأخلاقي والسياسي، مقابل التزام فنزويلا تجاهنا وتجاه القضية الفلسطينية، يظل غياب الموقف الرسمي المصري بلا تبرير سوى الخشية من إغضاب الإدارة الأمريكية، وهو موقف مقدَّر لدى البعض، وأنا لست منهم.
كان الأجدر بالقوى الوطنية المدنية إعلان موقف تضامني واضح مع فنزويلا ضد الغطرسة الأمريكية والسطو على إرادة شعبها.
مؤتمر حزب الكرامة جاء تعبيرًا عن هذا الواجب، وكلمات الحضور وهتافاتهم جاءت معبّرة أيضًا عن الوفاء لمادورو وبلده، في ضوء التزامهم طيلة هذه الأعوام بدعم ومساندة الشعب الفلسطيني وحقوقه ومقاومته. ومن ضمن هذه الكلمات، كلمة السيد حمدين صباحي. إلا أن المدهش كان تعامل منصات محسوبة على النظام مع المؤتمر بسخرية تفتقر إلى الحد الأدنى من أدبيات العمل الصحفي، وكأنها صفحات «كوميكس». والأمر أصبح معتادًا؛ والعجب هنا ليس ممن يحررها، بل ممن يحركها، ولم نعد بحاجة للسؤال عن «الرجل الرشيد».
والأعجب أن بعض القوى والشخصيات المحسوبة على الصف الوطني تناولت المؤتمر بالقدر ذاته من السخرية الممنهجة، وكأن الساحات كانت مفتوحة، فاختار الحاضرون الانكفاء في مقر بسيط، وكأن الهتاف ضد أمريكا أصبح محل استهجان وسخرية.
الخلاصة، يا سادة: لا أقدّم لكم نظام تشافيز أو مادورو بوصفه نظامًا ملائكيًا، لكنني تمنيت، في ظل هذا الحصار السياسي، أن نستطيع أن نثبت حضورنا، وأن نقدّم أنفسنا بما يحفظ قدرتنا — ولو بالكلمة — على إعلان موقف سياسي مصري، ولو شعبيًا أو حتى نخبويًا، نثبت به استمرار قدرتنا على رفض مخططات أمريكا للسيطرة على قرارنا ومصيرنا وثرواتنا ومن يشبهنا، وكذلك استمرار قدرتنا على مقاومة أداتها الاحتلالية (إسرائيل) في بلادنا.
ونقول لمن يشبهنا، ويقف معنا ومع فلسطين: نحن معكم.