على وقع الشكوك المحتقنة والتراجعات الميدانية المتلاحقة، تشهد منطقة شرق آسيا زلزالاً جيوسياسياً يهدد بتفكيك منظومة الأمن الإقليمي التي أرستها واشنطن منذ عقود فبينما تسعى الإدارة الأمريكية لتأكيد استمرار التنسيق النووي مع كوريا الجنوبية، تكشف التحركات الفعلية على الأرض مساراً مغايراً؛ يتصدره تقليص المناورات العسكرية وإلغاء تدريبات الإنزال البرمائي المشتركة، تزامناً مع إعلان الرئيس دونالد ترامب رغبته في عقد قمة جديدة مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وهو ما أطلق موجة ذعر صامتة لدى حلفاء واشنطن من سيول وطوكيو إلى تايبيه والهند.
يثير هذا التحول التكتيكي تساؤلات حادة ومباشرة: هل تخلت واشنطن عن مظلتها الأمنية لحماية حلفائها في آسيا لحساب صفقات خاطفة مع بيونغ يانغ والصين؟ وما الثمن الذي تبديه واشنطن مستعدة لدفعه لقاء تهدئة خطوط الاشتباك، بعدما تسببت الحرب مع إيران والضغوط الاقتصادية في استنزاف الذخائر الأمريكية ونقل المنظومات الدفاعية من شرق آسيا؟
تراجع الردع وتلاشي الثقة يدفعان حلفاء واشنطن نحو التسليح الذاتي
أكدت خبيرة العلاقات الآسيوية والصينية الدكتورة تمارا برو، في حديثه لـ”القصة”، أن تقليص المناورات الأمريكية مع كوريا الجنوبية يضعف أحد أهم أدوات وركائز الردع، دون أن يعني انهياره بالكامل في ظل تواجد 22 ألف جندي أمريكي وآليات ردع متبادلة، مشيرة إلى أن المعضلة الأساسية تكمن في اهتزاز وفقدان الثقة بواشنطن حال السير نحو الاعتراف بكوريا الشمالية كقوة نووية؛ مما يفتح الباب أمام سباق تسلح محتدم بشرق آسيا.
وأوضحت برو شروط بيونغ يانغ وشكوك سيول تجاه ترامب في النقاط التالية:
مطالب بيونغ يانغ المتصاعدة
ترامب قدم تنازلاً بتقليص المناورات لعقد القمة، لكن كيم جونغ أون لا يقنع بذلك، بل يطالب بالتوقف التام للمناورات، وجلاء القوات الأمريكية من المنطقة، والاعتراف بكوريا الشمالية دولة نووية، وهو ما يُعد أمراً معقداً أمام حلفاء واشنطن.
تراكم الضغوط على سيول
كوريا الجنوبية فقدت الثقة بالإدارة الأمريكية نتيجة فرض رسوم جمركية عليها، وإرغامها على استثمارات داخل واشنطن، ونقل جزء من أنظمة دفاعها للمنطقة، إلى جانب شح الذخائر جراء حرب إيران، وتقليص المناورات بذريعة عدم مساهمة سيول في نزع سلاح طهران النووي ولعدم استفزاز بيونغ يانغ.
التحول للإنتاج الذاتي
دفع هذا التخبط كوريا الجنوبية نحو رفع معدلات التصنيع العسكري المحلي وتنويع الحلفاء وبناء تفاهمات عسكرية مع الدول المجاورة.
وأشارت الخبيرة لـ”القصة” إلى أن المخاوف امتدت مباشرة لتطال اليابان وتايوان أمام تمدد النفوذ الصيني، حيث تعاني اليابان من تأخر توريد الصواريخ الأمريكية جراء الحرب مع إيران والرسوم الجمركية المفروضة عليها، مما دفعها لزيادة الميزانية العسكرية والاتجاه لتغيير عقيدتها الدفاعية السلمية المتبعة منذ الحرب العالمية الثانية.
مضيفةً أن تايوان تشعر بقلق بالغ من التقارب الأمريكي الصيني ومساومة ترامب على صفقة الأسلحة المعطلة لديه لحسابات تفاوضية، مما دفها هي الأخرى لرفع ميزانيتها الدفاعية والتركيز على التصنيع المحلي والتحالفات الإقليمية.
واختتمت تمارا برو حديثه لـ”القصة” مؤكدة أن التحول الحقيقي لن يقف عند مجرد لقاء ترامب وكيم، بل في الثمن الذي تبديه واشنطن مستعدة لدفعه؛ فإذا اقتصر الأمر على الهدنة وتخفيف المناورات فيمكن احتوائه، أما إذا تطور لاتفاق يعترف ببيونغ يانغ دولة نووية أو يُقلص الوجود العسكري الأمريكي بشرق آسيا، فسنكون أمام إعادة صياغة جذرية ومباشرة للتوجهات والتحالفات الآسيوية.