يناير 2026 يشهد تصعيداً غير مسبوق بين الولايات المتحدة وإيران، يتجاوز أدوات الضغط التقليدية والمناورات الدبلوماسية المعتادة، لتتبنى إدارة ترامب ما يصفه خبراء بـ “عقيدة الحسم الاستباقي”.
الحسم الاستباقي
خبراء شؤون دولية واستراتيجية هم محمد وازن وحامد جبر وحامد فارس أشاروا خلال حديثهم لـ “القصة” إلى أن واشنطن ربطت بين الاضطرابات الداخلية في إيران وخياراتها العسكرية الاستراتيجية، محولة الاحتجاجات إلى أداة ضغط دولية. وفي المقابل تمتلك إيران قدرات هجومية كبيرة لكنها تواجه قيودا سياسية واجتماعية تحد من تنفيذ تهديداتها بالكامل.
المحللون يؤكدون أن السيناريو المرجح هو تصعيد محسوب يهدف لإضعاف النظام تدريجيًا دون مواجهة شاملة، بينما تبقى المنطقة على حافة صدام هجيني مستمر قد يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
قال الدكتور محمد وازن، خبير الشؤون الإسرائيلية والدراسات السياسية والاستراتيجية، إن التصعيد الأمريكي الأخير تجاه إيران في يناير 2026 يتجاوز بمراحله فكرة الضغط السياسي التقليدي والمناورات الدبلوماسية المعتادة، مؤكدًا أننا أمام تحول جذري وشامل في العقيدة الأمنية الأمريكية، يمكن تسميته بـ “عقيدة الحسم الاستباقي”.
وأكد وازن لـ”القصة” أن هذا التصعيد يعد ثمرة مباشرة لنجاح واشنطن في اختبار قوتها داخل ملفات دولية شائكة مع مطلع العام، وهو ما منح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زخماً سياسياً وعسكرياً دفعها إلى تبني سياسة “التحييد النشط” بدلاً من سياسة “الاحتواء السلبي” التي اعتمدت عليها الإدارات السابقة، وأوضح أن الولايات المتحدة انتقلت من مرحلة التلويح بالعقوبات الاقتصادية إلى مرحلة أكثر خطورة، تقوم على الربط العضوي بين الاضطراب الداخلي الإيراني والخيارات العسكرية الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن واشنطن لم تعد تكتفي بمراقبة السلوك الإيراني، بل تسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يستغل حالة الانكشاف البنيوي التي يعاني منها النظام الإيراني عقب ضربات عام 2025 النووية.
وأشار إلى أن هذا التغيير الاستراتيجي يعكس قناعة داخل البيت الأبيض بأن “أنصاف الحلول” مع طهران لم تعد مجدية، خاصة في ظل التنافس الدولي المحموم على مناطق النفوذ، وعلى رأسها القطب الشمالي، وتمدد النفوذ الصيني.
و أضاف أن التصعيد الحالي يهدف بالأساس إلى كسر إرادة القرار في طهران، ووضعها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانخراط في تسوية شاملة تشمل تفكيك البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي، أو مواجهة تفكك داخلي يجري تحت غطاء دولي، وأكد أن واشنطن تتبنى حاليًا استراتيجية يمكن وصفها بـ “تضييق الخناق الشامل”، والتي تعيد تعريف مفهوم الردع من خلال إظهار استعداد حقيقي لكسر قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت العلاقة مع إيران لعقود طويلة.
الاحتجاجات في إيران
وفيما يتعلق بالاحتجاجات الداخلية، قال محمد وازن إن ما تشهده إيران في يناير 2026 لم يعد يندرج ضمن إطار المطالب المعيشية أو المظالم الاجتماعية فقط، بل تحول إلى “مضاعف قوة” تستخدمه القوى الدولية الكبرى في مواجهة النظام الإيراني.
وأكد أن الفارق الجوهري بين هذه الاحتجاجات وما شهدته إيران في أعوام 2019 و2022 يتمثل في “التدويل العملياتي”، موضحاً أن الدعم الدولي لم يعد مقتصراً على بيانات تضامن أو مواقف سياسية، بل تحول إلى مظلة حماية سياسية وعسكرية غير مباشرة.
وأوضح أن هذه المظلة حدت من قدرة النظام الإيراني على استخدام أدوات القمع التقليدية، خوفاً من استدراج تدخل خارجي مباشر، مشيرًا إلى أن واشنطن وتل أبيب نجحت في تحويل الشارع الإيراني إلى جبهة ثانية تقيد حركة الحرس الثوري و تستنزف موارده اللوجستية والمعنوية، بما يمنعه من اتخاذ قرارات هجومية واسعة في الإقليم.
وأضاف أن النظام الإيراني بات عالقا في “شرك استراتيجي”، حيث ينظر إلى أي محاولة لقمع الاحتجاجات باعتبارها ذريعة جاهزة لتصعيد العمليات العسكرية الخارجية، بينما يؤدي ترك الاحتجاجات تتمدد إلى انهيار تدريجي في بنية السلطة، وأكد أن الهدف من هذا التوظيف الدولي هو إضعاف مركزية القرار في طهران ورفع كلفة الاستقرار الداخلي مقارنة بكلفة التنازل في الملفات الخارجية.
عقيدة طهران
وحول قدرة إيران على تنفيذ تهديداتها، قال وازن إن طهران تمتلك عقيدة قتالية راسخة في مجال الحرب اللامتناظرة، إلى جانب ترسانة صاروخية كبيرة ومئات الطائرات المسيرة القادرة على إحداث أضرار ملموسة في منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية الإقليمية.
لكنه أكد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في امتلاك السلاح، بل في القدرة الاستراتيجية على تحمل تبعات استخدامه، و أضاف أن السؤال المطروح داخل دوائر صنع القرار الإيراني اليوم ليس “هل نملك الصاروخ؟”، بل “هل يتحمل الهيكل السياسي تبعات إطلاقه؟.
وأوضح أن تنفيذ أي هجوم واسع ضد إسرائيل أو المصالح الأمريكية، في ظل الانهيار التاريخي للعملة المحلية وتصاعد الغليان الشعبي، سيعني عمليا انتحارا سياسياً للنظام، حيث سيكون الرد الأمريكي والإسرائيلي ساحقا ويستهدف ما تبقى من مفاصل السلطة، دون وجود جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصمود.
وأكد أن التهديدات الإيرانية الحالية تندرج في إطار حرب الأعصاب ومحاولات ترميم الردع المتأكل، أكثر من كونها خططا عملياتية جاهزة للتنفيذ، مشيرًا إلى أن إيران تمتلك قدرة على الإيذاء، لكنها تفتقر إلى القدرة على الصمود في حرب شاملة.
السيناريو الأقرب
وبشأن السيناريوهات المتوقعة، قال وازن إن المعطيات الجيوسياسية تشير إلى أن السيناريو الأقرب هو «التصعيد المحسوب تحت سقف الانفجار»، مع اتجاه واضح نحو تآكل بنية النظام الإيراني تحت ضغط مركب.
وأكد أن خيار التهدئة يبدو مستبعداً، في ظل رؤية الإدارة الأمريكية الحالية للوضع الراهن باعتباره فرصة تاريخية لاستثمار سنوات الحصار، دون تقديم تنازلات مجانية لطهران، وفي المقابل، أشار إلى أن المواجهة الشاملة لا تزال خيارا محفوفا بالمخاطر الدولية، خاصة في ظل التحفظات الأوروبية.
وأوضح أن المسار المرجح يتمثل في استمرار استراتيجية الاستنزاف الشامل، التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية، والعمليات الاستخباراتية الجراحية، والدعم السيبراني للاحتجاجات، بهدف إحداث شلل داخل مؤسسات صنع القرار الإيراني.
وختم وازن بالتأكيد على أن المنطقة دخلت مرحلة “الصدام الهجين”، حيث تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إجبار النظام الإيراني على تغيير هويته الاستراتيجية بالكامل، أو دفعه إلى التفكك من الداخل دون الحاجة إلى تدخل عسكري بري مباشر.
خارج الشرعية الدولية
من جانبه، قال المحلل السياسي حامد جبر لـ “القصة”، إن الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب تعمل على رسم خارطة جديدة للتوسع الاستعماري، مستندة إلى أدوات القوة الخشنة، في تجاهل واضح للقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بسيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وأكد جبر أن ترامب اعترف صراحة باتباعه “قانون القوة” بدلاً من الشرعية الدولية، مشيرًا إلى أن التعاون الصهيو- أمريكي وضع أهدافا واضحة في المنطقة ويعمل على تنفيذها بالقوة، وهو ما ظهر في لبنان وفلسطين وسوريا، حيث نجحت واشنطن في بعض الملفات ولا تزال تحاول في أخرى.
إيران.. حائط الصد
وأوضح أن إيران تمثل حتى الآن حائط الصد الأهم أمام هذا المشروع، لافتاً إلى أن الضغوط الأمريكية تعتمد على استغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الشعب الإيراني، في ظل حصار اقتصادي ممتد لأكثر من عشرين عامًا، كان كفيلاً بإسقاط أي نظام لا يمتلك قاعدة شعبية متماسكة.
وأشار إلى أن ما جرى في فنزويلا شجع القوى المناهضة للثورة الإيرانية على استغلال الأزمات المعيشية، وتحريض قطاعات من الشارع الإيراني على الاحتجاج بدعوى المطالب الاقتصادية والديمقراطية، إلا أن خروج ملايين الإيرانيين الرافضين لعودة نجل الشاه رضا بهلوي وأي تدخل خارجي عكس حجم الالتفاف الشعبي حول الدولة والنظام.
التفاف شعبي
وأضاف جبر أن هذا التماسك الشعبي و العقائدي من شأنه إفشال أي محاولات أمريكية أو إسرائيلية لإسقاط النظام الإيراني، مؤكدًا أن الموقع الجغرافي لإيران يعقدد أي سيناريو عسكري، باعتبارها تمثل عمقاً استراتيجياً لروسيا والصين، فضلاً عن خشية واشنطن من رد إيراني مباشر قد يستهدف إسرائيل.
تصعيد
واختتم بالتأكيد على أن حجم الترسانة العسكرية الإيرانية غير معلوم بالكامل، ما يدفع الولايات المتحدة وإسرائيل إلى التفكير مليا قبل الإقدام على مواجهة عسكرية مباشرة، مرجحاً استمرار محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي بدلاً من الحرب المفتوحة.
وفي سياق مختلف، قال الدكتور حامد فارس خبير العلاقات الدولية لـ”القصة” إن ما يحصل الآن من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران هو العمل علي ممارسة كافة الضغوط التي تؤدي إلي إسقاط النظام داخل إيران، باعتبار أن ما نشاهده الآن هو محاولة الإتيان بنظام موازي بالإدارة الأمريكية، ومحاولة كبيرة لتغير توازن الردع في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي تسعي هذه الإدارة إلي جعل النظام الإيراني في أضعف مراحله، وهو محاولة نسج واقع جديد، وهذا الواقع الجديد يؤدي إلي ممارسة جهود حقيقية في ظل أن مازالت عملاء الموساد داخل إيران ولم يتم اكتشافهم بشكل كبير.
وأضاف حامد أن هناك تحركات ستؤدي إلي الدفاع بقولاً واحداً إلي العمل علي تغير النظام في إيران، وأكد أن هذا سيدفع في اتجاه رؤية استراتيجية جديدة للشرق الأوسط، تقرر من خلالها الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون يد إسرائيل هي اليد المؤثرة في الشرق الأوسط.
أدوات الضغط
وأكد حامد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها كل الخيارات في التعامل مع الملف الإيراني، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تمارس ضغطا سياسياً وأيضا ضغطا اقتصادياً.
وأشار أن من الممكن جدًا أن تشهد في الفترة المقبلة ضغوطا عسكرية توجيه ضربات للنظام الإيراني والمؤسسات الإيرانية ووزارة الدفاع والوزارة الداخلية وأماكن تواجد الحرس الثوري الإيراني، مضيفاً أن على واقع الأرض تمتلك إيران أدوات كبيرة بموجبها تستطيع أن تضغط علي الولايات المتحدة الأمريكية كي لا تقبل علي أي خطوة متهورة.
نقاط الضعف في الإقليم
وأكد حامد أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها الكثير من نقاط الضعف في المنطقة سواء في الداخل، المصالح الأمريكية أو التحرك باتجاه القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بشكل عام، مؤكدًا أن كلها أدوات رئيسية ستؤدي إلي أن تغيير الولايات المتحدة الأمريكية نهجها في اتجاه إيران، ولكن هناك نقطة من الممكن جدًا أن تدفع إلي أن تتخذ الولايات المتحدة الأمريكية هذا النهج العسكري، وهو زيادة الاحتجاجات الداخلية ودعم هذه الاحتجاجات، مما سيؤدي إلي زيادة الضغوط علي النظام الإيراني الذي هو حالياً في أضعف مراحله في الوقت الحالي.
بديلا المواجهة المباشرة
وأضاف أن هذا بالفعل تتواجه فيه الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن أن الخيار العسكري لا زال مطروح علي الطاولة الأمريكية، ومن الممكن أن تضغط الولايات المتحدة الأمريكية في وقت معين لإسقاط النظام الإيراني إذا تأججت الاحتجاجات واتسعت رقعتها لكي تتناسب مع وجود تحركات عسكرية أمريكية، ولكن هذا التحرك ليس الآن.
وأشار إلى أنه لا يمكن أبداً أن نقول إن الولايات المتحدة الأمريكية ستتحرك في هذا الاتجاه الآن، ولكنها تنتظر الكثير من العوامل سواء عوامل داخلية بزيادة الضغط، سواء ضغط المظاهرات علي النظام الإيراني، أو حتي علي مستوي التنسيق مع إسرائيل لكي يكون هناك ضربة قاصمة تستطيع بموجبها إيران الرد علي هذه الضربة.
وقال حامد أن الولايات المتحدة الأمريكية تريد إرسال رسالة واضحة لإيران بأن اليد الأمريكية قادرة علي الوصول إلي أبعد نقطة في الشرق الأوسط، وبأن حرب 12 يوم لم تكن هي الجولة الأخيرة، ولكنها الجولة الأكثر خطورة علي النظام الإيراني.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتحرك في هذا الاتجاه و ستدفع قولاً واحداً في تكثيف العمل العسكري إذا لم تنجح المظاهرات في إسقاط النظام داخل إيران.
السيناريو الأقرب
واختتم حامد حديثه قائلاً: “من خلال رؤيته للموضوع إن السيناريو الأقرب في المرحلة المقبلة أنه سوف يكون هناك تصعيد محسوب كبير جداً في الفترة المقبلة، ولن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية باتخاذ خطوة متهورة بضرب النظام الإيراني، ولكنها ستدرس هذا الأمر بشكل جيد وبشكل دقيق، وتري ما هي انعكاسات الضربة الأمريكية علي إيران، لأن الولايات المتحدة الأمريكية قلقة أن تقوم إيران باستهداف إسرائيل بشكل مباشر أو استهداف القواعد الأمريكية في دول الخليج، وبالتالي إشعال المنطقة برمتها، وهذا يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تعمل بشكل أكثر عقلانية لكي لا تشتعل المنطقة بشكل شامل وتام.”