تشهد قرية ميت حبيش البحرية بمركز طنطا حالة من التوتر والقلق بين مئات الأسر، بعد تفجر أزمة مفاجئة بين مصنع بيبسي كولا فرع طنطا، وبين السائقين وأصحاب سيارات النقل الثقيل التابعين لجمعية نقل الغربية، على خلفية إصرار المصنع على تحميل الشاحنات بحمولات تتضمن بروزًا جانبيًا وأوزانًا زائدة، في مخالفة مباشرة لتعليمات الدولة وقواعد السلامة المرورية.
الأزمة لم تكن خلافًا بين السائقين والجمعية، بل على العكس؛ ظهر الطرفان كتكتل واحد في مواجهة مطالب المصنع، فالجمعية والسائقون معًا رفضوا هذا النوع من التحميل، التزامًا بالقانون وحرصًا على السلامة التي تشترط عدم السير على الطرق السريعة بحمولة زائدة أو بروظ جانبي إثر التشديدات المرورية في أعقاب حادث وفاة 19 فتاة بالمنوفية قبل 5 شهور ماضية.
رفض سائقو النقل لمخالفة القانون والتحميل بالبروز الجانبي، دفع المصنع وفقًا لرواياتهم إلى الاتجاه للتعاقد مع مقاول جديد يقبل بتنفيذ تلك الحمولات دون اعتراض، في خطوة تهدد بإقصاء 350 سيارة دفعة واحدة، وقطع أرزاق ما يقرب من ألف أسرة تعتمد على تلك المنظومة.
جذور الأزمة: رفض قانوني يقابله إصرار على المخالفة
توضح جمعية نقل الغربية أن عملها مع مصنع بيبسي طنطا قائم منذ سنوات طويلة، وأن السائقين العاملين تحت مظلتها ملتزمون بشروط السلامة التي تفرضها الدولة، خاصة ما يتعلق بالحد من البروز الجانبي لما يسببه من مخاطر قاتلة على الطرق.
وتؤكد الجمعية أنها لم تختلف يومًا مع السائقين، وأن الجميع اتخذ الموقف ذاته: رفض أي حمولة تتضمن بروزًا، التزامًا بقرار رئيس الوزراء الذي يحظر هذا النوع من التحميل حفاظًا على الأرواح.
غير أن تمسّك الجمعية والسائقين بهذا المبدأ قوبل برفض من جانب المصنع، الذي وفقًا لما ورد من السائقين أصر على تنفيذ الحمولات بالشكل المخالف، وحين لم يجد استجابة، اتجه للبحث عن مقاول نقل جديد يقبل بالأمر دون اعتبار لمعايير السلامة.
السائقون والجمعية صف واحد في مواجهة قرار يهدد المنظومة بالكامل
يرى السائقون وأعضاء الجمعية أن استبدالهم بمقاول جديد لا يمثّل فقط تجاهلًا للعلاقة الممتدة لسنوات بينهم وبين المصنع، بل يعد تهديدًا حقيقيًا لاستقرار منظومة النقل القائمة، وقطعًا لمصدر الدخل الوحيد لمئات الأسر.
وتؤكد الجمعية أن 350 سيارة نقل ثقيل مهددة بالتوقف الكامل، وهو ما ينعكس مباشرة على أكثر من ألف أسرة تعتمد اعتمادًا كليًا على هذا العمل.
الجمعية لم تتخلّ عن السائقين
يوضح كامل البنا، أحد السائقين، أن الأزمة بدأت حين طلب المصنع تحميل الشاحنات بحمولات تتضمن بروزًا جانبيًا، وهو ما رفضه السائقون والجمعية معًا لأن هذا النوع من التحميل يخالف القانون ويعرض حياة المواطنين للخطر، ويشير إلى أن الجمعية لم تتخلَّ عن السائقين، بل كانت في صفهم منذ اللحظة الأولى، لأن الالتزام بالقواعد هو أساس العمل.
ويضيف السائق في تصريح خاص لـ موقع “القصة“، أن اتجاه المصنع إلى التعاقد مع مقاول جديد لا يقوم إلا على أساس واحد: قبول تحميل مخالف للمعايير. ويرى أن التضحية بمنظومة كاملة تضم مئات الأسر من أجل تمرير حمولة غير آمنة يمثل إجحافًا يستدعي تدخل الجهات التنفيذية.
سائق: نحن نلتزم بتوجيهات الدولة
يؤكد علي خلاف، سائق آخر من أبناء القرية أن السائقين والجمعية لم يتسببوا في أي خلاف، بل كانوا حريصين دائمًا على التعاون مع المصنع وفق الأطر القانونية، ويشير إلى أن رفض البروز ليس رأيًا شخصيًا، بل التزامًا بتوجيهات الدولة التي شددت على منع هذا النوع من التحميل بسبب كثرة الحوادث المرتبطة به.
ويضيف علي خلاف في تصريح خاص لـ موقع “القصة“، أن التمسك بالقانون هو ما وضعهم في هذا الموقف الصعب، إذ أدى رفضهم للمخالفة إلى تهديد مصدر رزقهم. ويرى أن الحل الوحيد هو تدخل الجهات المختصة لإعادة الأمور إلى نصابها وضمان استمرار العمل دون تعريض السائقين لأي ضغوط.
البروز الجانبي خطر يفتح الباب لمآسٍ لا تُنسى
لا يتعامل السائقون والجمعية مع قضية البروز الجانبي بوصفها تفصيلة فنية يمكن تجاوزها، بل كخطر حقيقي أثبتت التجارب أنه قادر على تحويل الطريق إلى ساحة مأساة في لحظة.
ولا تزال المحافظة تتذكّر الحادثة المؤلمة التي شهدتها المنوفية قبل سنوات، حين راح ضحيتها عدد كبير من الفتيات؛ وهي الحادثة التي سلطت التحقيقات الضوء فيها على دور التحميل غير الآمن والعوامل المرتبطة بالبروز الجانبي في تفاقم النتائج.
هذه الحوادث تذكّر الجميع بأن الالتزام بمعايير السلامة ليس خيارًا، بل ضرورة لحماية أرواح الأبرياء.
استغاثة تطالب بالتدخل قبل تفاقم الأزمة
أمام هذا المشهد المعقد، تقدّم السائقون وأصحاب السيارات والجمعية باستغاثة رسمية إلى رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي وإلى محافظ الغربية اللواء طارق رحمي، مطالبين بالتدخل لوقف هذا القرار الذي يهدد حياة مئات الأسر،
ويؤكد مقدمو الاستغاثة أنهم ليسوا ضد المصنع أو ضد الاستثمارات، بل يسعون إلى علاقة عادلة قائمة على احترام القانون والحفاظ على السلامة العامة، دون ضغوط أو تهديدات لإجبارهم على مخالفة القواعد.
الأزمة التي بدأت برفض قانوني لتحميل مخالف، تحولت إلى تهديد مباشر لمنظومة نقل بأكملها، وإلى مصدر قلق لأسر تعتمد حياتها على استمرار هذا العمل، وبين موقف الجمعية والسائقين الموحّد، وإصرار المصنع على موقفه، تبقى الحاجة ملحة لتدخل عاجل يعيد التوازن ويحمي مصالح جميع الأطراف قبل أن تتسع دائرة الضرر.