لم تعد جرينلاند مجرد جزيرة جليدية نائية، بل تحولت إلى ساحة صراع جيوسياسي تهدد تماسك حلف شمال الأطلسي وتفتح باب مواجهة جديدة بين القوى الكبرى، فالرغبة الأمريكية في السيطرة على الجزيرة، التي أعاد دونالد ترامب طرحها بلغة الصفقة، تصطدم برفض دنماركي قاطع ودعم أوروبي لافت، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول مستقبل العلاقات داخل الناتو.
خبراء يرون أن جرينلاند تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية عسكريا واقتصاديا، في ظل سباق النفوذ في القطب الشمالي وذوبان الجليد الذي كشف عن ثروات وممرات بحرية جديدة لكن هذه الطموحات الأمريكية، إذا تحولت إلى ضغوط سياسية أو أمنية، قد تدخل الحلف الأطلسي في أخطر اختبار داخلي منذ تأسيسه، وتعيد رسم خريطة الصراع العالمي من الشرق الأوسط إلى أوروبا والقطب الشمالي.
جرينلاند في قلب الصراع الدولي
قال السفير الدكتور محمد حجازي، مساعد وزير الخارجية الأسبق، إن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية من خلال اهتمامها المتزايد بجرينلاند يتمثل في تأمين موقع جغرافي استراتيجي بالغ الأهمية في القطب الشمالي، يمكن أن يخدم مصالح عسكرية مباشرة، تشمل أغراض المراقبة والإنذار المبكر، وإنشاء قواعد لوجستية، وتأمين خطوط الملاحة القطبية، فضلاً عن كونه ورقة نفوذ رئيسية في مواجهة روسيا والصين ضمن سباق النفوذ الدولي في منطقة القطب الشمالي.
وأوضح حجازي، أن البعد الاقتصادي لا يقل أهمية عن البعد العسكري، حيث تستهدف الولايات المتحدة الوصول إلى ثروات طبيعية هائلة، تشمل المعادن النادرة والمعادن الاستراتيجية، إلى جانب موارد هيدروكربونية محتملة، والاستفادة من فرص الشحن البحري الجديدة التي أتاحها ذوبان الجليد بفعل التغيرات المناخية المتسارعة، وهو ما أعاد رسم خريطة المصالح العالمية في المنطقة.
كيف ترى واشنطن جرينلاند؟
وأكد السفير محمد حجازي، في تصريحات خاصة لـ”القصة”، أن جرينلاند بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أعمق بكثير من مجرد “صفقة عقارية”، مشيرًا إلى أن الطرح اتسم ظاهرياً بلغة الصفقات التجارية من حيث الشراء أو الاستحواذ، لكنه في جوهره يعكس تفكيرا استراتيجياً توسعياً.
وأوضح أن فكرة شراء إقليم يتمتع بالحكم الذاتي تعد من الناحية الشكلية نموذجاً تفكيرياً استعراضيا يعكس نظرة تبادلية للسيادة، أما من الناحية الجوهرية فإن أي محاولة لضم أو شراء أراض ذات أهمية استراتيجية تمثل سابقة نادرة في السياسة الدولية الحديثة، وتندرج ضمن تصنيف التدخلات الاستراتيجية وليس الصفقات العقارية التقليدية، خاصة أن الدنمارك دولة دبلوماسية ذات سيادة كاملة.
الدنمارك ترفض والجزيرة تقاوم
وأشار حجازي إلى أن أي محاولة للاستحواذ على جرينلاند قد تحدث تداعيات مباشرة في العلاقات بين الولايات المتحدة والدنمارك وحلف الناتو، موضحاً أن العلاقات الثنائية مع كوبنهاجن قد تشهد توتراً دبلوماسياً مباشراً و إحراجا سياسياً للدولة المالكة، فضلا عن إضعاف الثقة بين حليفين، حيث تعاملت الدنمارك تاريخياً مع جرينلاند باعتبارها قضية سيادة داخلية وأمنا قوميا.
و أضاف أن داخل حلف الناتو، قد يثير هذا التوجه تساؤلات حول مدى احترام التزامات السيادة بين الحلفاء، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع مؤقت في الثقة المتبادلة، خاصة إذا رأت دول أخرى في الحلف سلوكاً استيعابيا أو استغلاليا من جانب واشنطن، مع احتمالات إعادة ترتيب بعض أوجه التعاون الثنائي في مجالات الاستخبارات والوجود العسكري، أو اتجاه الدنمارك لتعزيز تعاونها مع شركاء آخرين تعويضاً عن أي توتر محتمل مع الولايات المتحدة.
وأوضح حجازي أن موقف الدنمارك و جرينلاند، اللتين ترفضان البيع و تؤكدان حق تقرير المصير، موقف منطقي ومتوقع دبلوماسيا، حيث تدافع الدنمارك عن سيادتها ووحدة أراضيها، وتعتبر المسألة شأناً داخلياً وأمنا قومياً لا يقبل المساومة، فيما يركز سكان جرينلاند وقياداتها المحلية على حق تقرير المصير والاستقلال الجزئي أو الكامل، ويرون الطرح الأمريكي إهانة لكرامتهم وحقوقهم السياسية، وهو ما أدى إلى موقف شبه موحد بين القيادتين واستغلال القضية داخلياً لتعزيز مطالب الاستقلال.
الناتو أمام اختبار داخلي
وأكد حجازي أن رغبة ترامب في الحصول على جرينلاند قد تؤدي إلى توترات سياسية في منطقة القطب الشمالي ومع دول أخرى مثل روسيا والصين، حيث تعتبر هذه الدول القطب الشمالي مجالا ذا أهمية استراتيجية متزايدة، وقد يفسر تصاعد النفوذ الأمريكي باعتباره خطوة استقطاب، ما قد يدفع إلى تعزيز الوجود العسكري أو توسيع التعاون الاقتصادي البديل والتنافس على اتفاقات التعدين والممرات البحرية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط سياسية واقتصادية متعددة قد تلجأ إليها، تبدأ بالضغوط الدبلوماسية الثنائية، وتمر بالعروض الاستثمارية الضخمة في البنية التحتية وعقود التنقيب، وقد تصل وإن كان ذلك أقل احتمالا، إلى زيادة الوجود العسكري تحت غطاء التعاون الأمني أو التدريبات المشتركة، وغالبا ما يتم استخدام مزيج متدرج من هذه الأدوات حسب تطورات المشهد.
سكان جرينلاند بين الاستقلال والمصالح الاقتصادية
وفيما يتعلق بموقف سكان جرينلاند، أوضح حجازي أن الموقف العام مقاوم ومعارض في الغالب، حيث تفسر المبادرات الأمريكية كتهديد مباشر للحقوق الثقافية والسياسية، وقد تؤدي إلى تعزيز زخم المطالب بالاستقلال الذاتي بدلاً من تسهيل أي قبول خارجي، مؤكدًا أن أي تحرك في هذا الاتجاه يتطلب موافقات شعبية وقانونية معقدة لا يمكن تجاوزها.
وحذر حجازي من أن هذه التطورات قد تؤدي إلى تصاعد سياسي داخل حلف الناتو، يتمثل في توتر ثنائي، وضعف موثوقية الحلف، وردود فعل سياسية من بعض الدول الأعضاء للمطالبة بآليات تحمي سيادة الدول داخل الحلف، وقد تطرح إصلاحات وضوابط جديدة على طاولة الناتو نتيجة مثل هذه الأزمات.
وأكد أن الموقف يشكل تحديا للنظام الدولي القائم على القواعد، لما يحمله من مساس بمبدأ السيادة ووحدة الأراضي وخلق سابقة خطيرة، مشيرًا إلى أن النظام الدولي، رغم ذلك، يقوم عملياً على موازنات القوة والمصلحة، وأن الردود غالبا ما تكون دبلوماسية واقتصادية أكثر من كونها عقوبات قانونية صارمة، ما لم تتحول الخطوة إلى ضم قسري أو عمل عسكري مباشر.
جرينلاند والمعادن النادرة
ومن جانبه، قال اللواء عمر الزيات، الخبير الأمني، إن جوهر الصراع القائم بين الولايات المتحدة والصين هو صراع بقاء شامل، تسعى فيه واشنطن إلى السيطرة على الممرات البحرية التجارية العالمية للتحكم في حركة التجارة الدولية والحد من النفوذ الصيني المتصاعد، معتبرًا أن هذا الصراع يفسر مجمل التحركات والسياسات الأمريكية الأخيرة.
وأوضح الزيات لـ “القصة” أن الضربة الأمريكية لإيران، التي جرى تأجيلها، كانت تستهدف التحكم في مضيق هرمز باعتباره شريان الطاقة العالمي، خاصة النفط المتجه إلى الصين وأوروبا، مشيرًا إلى أن واشنطن أجلت الضربة بعدما اتضح أن هدفها الأعمق كان تغيير نظام الحكم الإيراني، ثم بدأت في توجيه بوصلتها نحو جرينلاند باعتبارها ساحة استراتيجية بديلة.
من مضيق هرمز إلى القطب الشمالي
وأضاف أن الموقع الجيوسياسي لجرينلاند يجعلها بمثابة محطة إنذار مبكر لأي تهديدات صاروخية محتملة قادمة من روسيا، فضلاً عن امتلاكها كتلة جليدية ضخمة تشير بعض التقديرات العلمية إلى أن ذوبانها قد يمثل نحو 10% من المياه العالمية، إلى جانب احتوائها على معادن نادرة ذات قيمة استراتيجية عالية.
هل تتحول أمريكا من حليف إلى خصم داخل الناتو؟
وأشار إلى أن التداعيات المحتملة قد تؤدي لأول مرة إلى تحول الولايات المتحدة من صديق إلى خصم داخل الناتو، ما قد يفضي إلى تفكك الحلف أو على الأقل إضعاف وحدته، خاصة في ظل تصريحات ترامب الأخيرة التي أثارت مخاوف أوروبية من السياسة الأمريكية غير الواضحة.
وأكد الزيات أن العالم مقبل على متغيرات كبرى، حيث تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على مصادر الطاقة والمياه والمعادن، باعتبارها عناصر الحسم في المستقبل، لا سيما مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي و استهلاكه المكثف للمياه، مشدداً على أن من يمتلك الطاقة والمياه هو من يمتلك القوة.
تحدٍ للنظام الدولي القائم على القواعد
واختتم الزيات حديثه أن بالتأكيد على أن ضم جرينلاند، إذا تم سيؤدي إلى نقل بؤرة الصراع من الشرق الأوسط إلى أوروبا والقطب الشمالي والشرق الأقصى، ما يشكل تهديداً أمنيا جديداً ويقود إلى حالة من عدم الاستقرار العالمي.